على مدار عقود، ارتبطت الموانئ العالمية بحركة الوقود الأحفوري، إذ كانت مراكز رئيسية لتزويد السفن بالوقود ونقل النفط ومشتقاته، إلا أن هذا المشهد بدأ يتغير سريعًا مع تسارع جهود التحول نحو الطاقة النظيفة، لتصبح الموانئ أحد أبرز القطاعات التي تقود ثورة الكهربة في النقل والخدمات اللوجستية.
ويأتي هذا التحول في وقت يواجه فيه قطاع الشحن البحري ضغوطًا متزايدة لخفض انبعاثاته الكربونية، بعدما أصبح مسؤولًا عن نحو 3% من إجمالي الانبعاثات العالمية، وهو ما يضعه ضمن القطاعات الأكثر صعوبة في إزالة الكربون، إلى جانب الطيران وصناعات الحديد والصلب والأسمنت والبتروكيماويات.
التحول مستمر رغم الأزمات
ورغم ما يشهده العالم من اضطرابات جيوسياسية أثرت على حركة التجارة البحرية، خاصة في البحر الأحمر والخليج العربي، فإن خطط التحول نحو الطاقة النظيفة داخل الموانئ لم تتراجع، بل تستمر بوتيرة متسارعة، مدفوعة بتطور تقنيات البطاريات وارتفاع كفاءة المعدات الكهربائية.
فالعديد من الموانئ باتت تنظر إلى الكهرباء باعتبارها استثمارًا طويل الأجل يحقق وفورات اقتصادية ويحد من الانبعاثات، إلى جانب تحسين جودة الهواء في المدن الساحلية.
الرافعات الكهربائية تتصدر المشهد
وتقود الرافعات الجسرية العملاقة هذا التحول، بعدما أصبحت تعتمد بشكل شبه كامل على الكهرباء بدلًا من المحركات التقليدية، سواء في تحميل الحاويات من السفن أو نقلها داخل ساحات الميناء.
كما تتوسع الموانئ في تشغيل الرافعات المطاطية والجرارات والرافعات الشوكية والمركبات اللوجستية باستخدام البطاريات أو الأنظمة الهجينة، ما يقلل استهلاك الوقود والانبعاثات الضارة، ويخفض تكاليف التشغيل والصيانة.
ويؤكد خبراء القطاع أن هذه المعدات تمثل أحد أكبر مصادر الانبعاثات داخل الموانئ، لذلك فإن كهربتها تحقق نتائج سريعة وملموسة على المستويين البيئي والاقتصادي.
لماذا تنجح الكهرباء داخل الموانئ؟
تمتلك الموانئ خصائص تجعلها بيئة مثالية لاستخدام المعدات الكهربائية، فمعظم المركبات والآلات تتحرك في مسافات قصيرة داخل نطاقات تشغيل محددة، وهو ما يجعل إعادة شحن البطاريات أكثر سهولة مقارنة بوسائل النقل لمسافات طويلة.
كما تتمتع شركات تشغيل الموانئ بملاءة مالية تسمح لها بتحديث معداتها بصورة دورية، خاصة أن الاستثمار في الكهرباء ينعكس على خفض استهلاك الوقود وتقليل تكاليف الصيانة، مع تحسين كفاءة التشغيل.
إلى جانب ذلك، تسعى إدارات الموانئ إلى تقليل التلوث والضوضاء داخل المدن الساحلية، وهو ما يعزز توجهها نحو استخدام التقنيات النظيفة.
تجارب دولية تؤكد نجاح التحول
بدأت العديد من الموانئ العالمية في تنفيذ خطط طموحة للكهربة، إذ تستهدف هيئة ميناء جواهر لال نهرو في الهند تحويل معظم أسطول الشاحنات الداخلية إلى الكهرباء، فيما يواصل ميناء لونغ بيتش الأمريكي التوسع في تشغيل معدات مناولة كهربائية.
أما ميناء “تواس” في سنغافورة، فيُعد أحد أكبر مشروعات الموانئ الذكية في العالم، حيث جرى تصميمه ليعتمد بصورة شبه كاملة على الكهرباء والبطاريات، ما يجعله نموذجًا عالميًا للموانئ المستدامة عند اكتماله.
السفن تستفيد أيضًا من الكهرباء
ولم يعد التحول مقتصرًا على المعدات البرية، إذ توسعت العديد من الموانئ في أوروبا وآسيا في توفير خدمة الإمداد الكهربائي للسفن أثناء رسوها، ما يسمح بإيقاف المحركات المساعدة التي كانت تعمل بالوقود طوال فترة التوقف.
ويسهم هذا النظام في خفض الانبعاثات الكربونية والضوضاء وتحسين جودة الهواء داخل المناطق الساحلية، كما بدأت بعض الموانئ تشغيل قاطرات بحرية كهربائية تتميز بعزم دوران مرتفع وقدرة كبيرة على المناورة، مع انخفاض واضح في تكاليف التشغيل مقارنة بالقاطرات العاملة بالديزل.
مستقبل الشحن البحري
ورغم أن تشغيل السفن العملاقة بالكامل بالكهرباء لا يزال يمثل تحديًا تقنيًا بسبب احتياجاتها الكبيرة للطاقة، فإن الخبراء يرون أن كهربة العمليات داخل الموانئ تمثل الخطوة الأكثر واقعية في الوقت الحالي.
كما تمثل الموانئ منصة مهمة لاختبار تقنيات البطاريات والمعدات الكهربائية، خاصة أن عددًا محدودًا من الموانئ يدير نسبة كبيرة من تجارة الحاويات العالمية، ما يمنح هذه المشروعات تأثيرًا واسعًا على مستقبل قطاع النقل والخدمات اللوجستية.
ومع استمرار تطوير البطاريات، وانخفاض تكلفتها، وزيادة الاهتمام العالمي بخفض الانبعاثات، تبدو الموانئ مرشحة لأن تصبح أحد أبرز النماذج الناجحة في التحول نحو الاقتصاد الأخضر، لتقود مرحلة جديدة تعتمد على الكهرباء بدلًا من الوقود الأحفوري، وتعيد رسم مستقبل الشحن البحري العالمي.


