في إطار جهود الدولة لتعزيز مفاهيم ترشيد استهلاك الطاقة ورفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، يواصل المركز القومي للبحوث جهوده العلمية والتوعوية من خلال حملة “وفرها تنورها”، التي تستهدف نشر الوعي بأهمية الاستخدام الأمثل للطاقة، مع التركيز على الطاقة الشمسية باعتبارها أحد أهم مصادر الطاقة النظيفة في مصر والعالم.
ويأتي هذا الطرح في وقت تتزايد فيه أهمية الطاقة المتجددة كبديل استراتيجي للوقود التقليدي، خاصة مع التغيرات المناخية وارتفاع الطلب العالمي على الطاقة.
تأثير الحرارة على كفاءة الألواح الشمسية
ويؤكد الدكتور عبد الله شعبان، أستاذ بقسم الهندسة الكيميائية بمعهد البحوث الهندسية والطاقة الجديدة والمتجددة، أن الطاقة الشمسية رغم كونها من أنظف وأهم مصادر الطاقة المتجددة، إلا أن كفاءتها ليست ثابتة، بل تتأثر بشكل مباشر بدرجة حرارة التشغيل.
فكلما ارتفعت درجة حرارة سطح الألواح الشمسية، انخفضت قدرتها على تحويل الإشعاع الشمسي إلى طاقة كهربائية، وهو ما يؤدي إلى فقد جزء من الطاقة الممكن الاستفادة منها.
ويشير إلى أن هذه الظاهرة العلمية تُعد من التحديات الرئيسية التي تواجه انتشار الأنظمة الشمسية بكفاءة عالية في المناطق الحارة، حيث يمكن أن تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى انخفاض الأداء الكهربائي للألواح بنسبة ملحوظة، رغم توفر ضوء شمسي قوي.
ترشيد الاستهلاك لا يعني التقليل فقط
وتوضح الحملة أن مفهوم ترشيد استهلاك الطاقة لا يقتصر فقط على تقليل الاستهلاك اليومي أو خفض معدلات الاستخدام، بل يمتد ليشمل تحسين كفاءة إنتاج الطاقة نفسها.
أي أن الترشيد الحقيقي يبدأ من تحسين أداء منظومات الإنتاج، وليس فقط تقليل الطلب على الطاقة.
الطاقة الشمسية كنموذج عملي للترشيد
وتُعد الطاقة الشمسية مثالاً عملياً على هذا المفهوم، حيث يمكن من خلال تحسين كفاءة التشغيل أن يتم إنتاج كمية أكبر من الكهرباء باستخدام نفس عدد الألواح الشمسية، دون الحاجة إلى استهلاك موارد إضافية أو التوسع في إنشاء محطات جديدة.
وهو ما يحقق عائداً اقتصادياً وبيئياً في الوقت نفسه، ويساهم في رفع كفاءة منظومة الطاقة بشكل عام.
تقنيات التبريد ورفع الكفاءة
ومن أبرز الحلول التي يتم العمل عليها حالياً لرفع كفاءة الأنظمة الشمسية، تقنيات التبريد المختلفة للألواح، سواء باستخدام أنظمة تبريد مائي أو هوائي أو عبر تصميمات هندسية تقلل من امتصاص الحرارة.
وتساعد هذه التقنيات على خفض درجة حرارة الخلايا الشمسية، وبالتالي الحفاظ على كفاءتها التشغيلية لأطول فترة ممكنة خلال اليوم.
ويؤكد الباحثون أن استخدام تقنيات التبريد يمكن أن يؤدي إلى زيادة ملحوظة في كمية الكهرباء المنتجة من نفس النظام، دون الحاجة إلى زيادة عدد الألواح أو المساحة المستخدمة، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو تقليل الفاقد وتحقيق أعلى استفادة من الطاقة المتاحة.
مصر والطاقة الشمسية
وفي بلد مثل مصر، يتمتع بسطوع شمسي مرتفع على مدار العام، تتضاعف أهمية هذه الحلول التقنية.
حيث يمكن تحقيق استفادة كبيرة من الطاقة الشمسية ليس فقط في إنتاج الكهرباء، ولكن أيضاً في الاستخدامات الحرارية مثل سخانات المياه الشمسية، التي تساهم في تقليل الاعتماد على الكهرباء أو الغاز في المنازل.
دور البحث العلمي في دعم الاستدامة
وتشير الحملة إلى أن دور البحث العلمي لا يقتصر على تطوير تقنيات جديدة فحسب، بل يمتد إلى تحسين كفاءة الأنظمة القائمة بالفعل.
بحيث يمكن الحصول على إنتاج أعلى من نفس الإمكانيات المتاحة، مع تقليل التكلفة الإجمالية وزيادة العمر الافتراضي للأنظمة.
حلول بسيطة وفعالة للطاقة الشمسية
وفي هذا الإطار، تظهر أيضاً مجموعة من الحلول البسيطة والفعالة التي يمكن تطبيقها على نطاق فردي ومجتمعي، مثل الطباخ الشمسي والمجففات الشمسية.
والتي تعتمد على استغلال الطاقة الحرارية المباشرة للشمس في الطهي أو تجفيف الأغذية، دون الحاجة إلى استهلاك كهرباء أو غاز، مما يساهم في تقليل الفواتير وتعزيز ثقافة الاستدامة.
نحو مستقبل أكثر استدامة
وتؤكد الحملة أن الجمع بين تحسين كفاءة الألواح الشمسية من خلال تقنيات التبريد، والتوسع في استخدام التطبيقات الشمسية اليومية، يمثل خطوة استراتيجية نحو مستقبل أكثر استدامة.
يقوم على تقليل الفاقد، وخفض التكاليف، وتعظيم الاستفادة من الطاقة النظيفة.
كما أن هذا التوجه يعكس رؤية علمية واقتصادية متكاملة تهدف إلى تحويل الطاقة الشمسية من مجرد مصدر بديل إلى مصدر رئيسي وفعّال في منظومة الطاقة الوطنية.
ترشيد اليوم استثمار في غدٍ أفضل
وفي النهاية، تؤكد الحملة أن ترشيد استهلاك الطاقة ليس خياراً ثانوياً، بل ضرورة حتمية لمواكبة التحديات المستقبلية.
وأن الاستثمار في كفاءة الطاقة اليوم هو استثمار مباشر في أمن الطاقة واستدامتها غداً، حيث يصبح كل شعاع شمس فرصة حقيقية لإنتاج طاقة أنظف وأكثر كفاءة.


