في الوقت الذي يرحب فيه المواطنون بانخفاض أسعار الدواجن باعتباره فرصة لتخفيف أعباء المعيشة، يطلق العاملون في قطاع الثروة الداجنة تحذيرات من أن استمرار هذا التراجع قد يحمل تداعيات خطيرة على الصناعة، وقد ينتهي بخروج عدد من المنتجين من السوق، وهو ما قد يقود إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار مجددًا خلال الفترة المقبلة.
وفي قلب هذا الجدل، برز اسم «نظام الطيبات»، وهو نظام غذائي انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما اعتبره عدد من منتجي الدواجن أحد أسباب تراجع الطلب على الدواجن، بينما يرى آخرون أن الهدف الأساسي منه هو الحفاظ على صحة المواطنين، وأن الأزمة الحقيقية تعود إلى أسباب اقتصادية وإنتاجية أكثر تعقيدًا.
تحذيرات من أزمة في سوق الدواجن
حذر الدكتور عبدالعزيز السيد، رئيس شعبة الثروة الداجنة باتحاد الغرف التجارية، من أن صناعة الدواجن تمر بمرحلة صعبة، موضحًا أن شركات كبرى بدأت تطالب بتدخلات عاجلة لإنقاذ القطاع بعد تعرضها لخسائر متواصلة، مؤكدًا أن استمرار الأوضاع الحالية قد يدفع عددًا من المنتجين إلى الخروج من المنظومة، بما يهدد بحدوث نقص في المعروض خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن سعر كيلو الدواجن داخل المزرعة يدور حاليًا حول 53 جنيهًا، بينما يصل إلى المستهلك بنحو 65 جنيهًا، معتبرًا أن هذه الأسعار أقل من تكلفة الإنتاج ولا تحقق هامش ربح يسمح باستمرار المربين.
وأشار إلى أن حجم إنتاج الكتاكيت تجاوز 2 مليار و16 مليون كتكوت، إلا أن عدم توافر أماكن كافية لتسكينها أدى إلى وجود فائض كبير، ما يدفع بعض المنتجين إلى التخلص من الكتاكيت أو التوقف عن التربية بدلًا من تحمل خسائر جديدة.
وأضاف أن أسعار كتاكيت التربية المنزلية تتراوح بين 5 و8 جنيهات، بينما تبدأ أسعار كتاكيت الشركات من 12 إلى 13 جنيهًا وقد تصل إلى 19 جنيهًا، لافتًا إلى أن بعض الشركات تعلن أسعارًا مرتفعة للحفاظ على صورتها في السوق، لكنها تضطر للبيع بأسعار أقل.
ويرى رئيس الشعبة أن السعر العادل للكتكوت لا ينبغي أن يقل عن 20 جنيهًا، فيما يجب أن يبلغ سعر طبق البيض في المزرعة 110 جنيهات ليصل إلى المستهلك بنحو 120 جنيهًا، كما أكد أن السعر الاقتصادي العادل للدواجن لا يقل عن 75 جنيهًا للكيلو داخل المزرعة حتى تباع للمستهلك في حدود 85 جنيهًا.
هل «نظام الطيبات» مسؤول عن الأزمة؟
وأرجع عبدالعزيز السيد جزءًا من انخفاض الطلب على الدواجن إلى انتشار ما يعرف بـ«نظام الطيبات» عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يدعو إلى الابتعاد عن بعض الأطعمة، ومن بينها الدواجن، باعتبارها غير مناسبة صحيًا.
ويرى أن هذه الدعوات أثرت على قرارات شريحة من المستهلكين، وأسهمت في تراجع الإقبال على شراء الدواجن، وهو ما انعكس على الأسعار، مؤكدًا أن تجاهل هذا التأثير لا يعكس الواقع.
كما انتقد ما وصفه بمحاولات التشكيك في صناعة الدواجن، معتبرًا أنها تمثل أحد أهم القطاعات المنتجة للبروتين في مصر، وأن الإضرار بها قد يدفع الدولة مستقبلًا إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد، رغم وجود فائض إنتاجي يمكن استغلاله في التصدير.
ما هو «نظام الطيبات»؟
وخلال الأشهر الأخيرة انتشر على نطاق واسع ما يعرف بـ«نظام الطيبات»، وهو نمط غذائي يدعو إلى تناول الأغذية الطبيعية والابتعاد عن عدد من المنتجات الغذائية التي يرى مروجوه أنها قد تؤثر سلبًا على الصحة، مع التركيز على تقليل الأغذية المصنعة وبعض المنتجات الحيوانية.
ويؤكد القائمون على هذا النظام أن هدفهم هو تحسين الصحة العامة والوقاية من الأمراض، وليس محاربة أي صناعة أو التأثير على الأسواق.
هل توجد أدلة علمية؟
حتى الآن، لا توجد دراسات علمية منشورة تثبت أن تناول الدواجن المنتجة داخل المزارع المصرية يمثل خطرًا صحيًا على الإنسان إذا كانت مطابقة للاشتراطات البيطرية والرقابية.
كما لا توجد أيضًا بيانات رسمية تؤكد أن «نظام الطيبات» تسبب وحده في انخفاض استهلاك الدواجن داخل السوق المصري، وهو ما يجعل الربط بين انتشار النظام وتراجع الأسعار بحاجة إلى مؤشرات وإحصاءات دقيقة.
ويرى متخصصون في التغذية أن اتباع أي نظام غذائي يجب أن يكون تحت إشراف علمي، مع ضمان حصول الجسم على احتياجاته من البروتين والفيتامينات والعناصر الغذائية، سواء من الدواجن أو من مصادر أخرى.
لماذا انخفضت الأسعار؟
خبراء الاقتصاد الزراعي يؤكدون أن سوق الدواجن يتأثر بعدة عوامل في الوقت نفسه، أبرزها حجم الإنتاج، وتكلفة الأعلاف، وأسعار الذرة والصويا، والطاقة، والأدوية البيطرية، والقوة الشرائية للمواطنين.
كما أن زيادة الإنتاج مقارنة بحجم الطلب تؤدي تلقائيًا إلى تراجع الأسعار، وهو ما حدث خلال الفترة الأخيرة مع ارتفاع أعداد الكتاكيت المنتجة، بينما لم يرتفع الاستهلاك بنفس الوتيرة.
ويشير الخبراء إلى أن استمرار البيع بأقل من التكلفة قد يؤدي إلى خروج عدد من المربين من السوق، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على حجم الإنتاج، لتبدأ دورة جديدة من ارتفاع الأسعار نتيجة انخفاض المعروض.
بين حق المستهلك وحماية الصناعة
ويرى متخصصون أن من حق أي مواطن اختيار النظام الغذائي الذي يناسبه، كما أن نشر ثقافة الغذاء الصحي أمر إيجابي إذا استند إلى معلومات علمية موثقة.
لكنهم في الوقت نفسه يحذرون من تداول معلومات غير دقيقة أو تعميم أحكام قد تؤثر على صناعة تضم استثمارات بمليارات الجنيهات، وتوفر مئات الآلاف من فرص العمل، وتعد المصدر الرئيسي للبروتين الحيواني لملايين الأسر المصرية.
كيف يمكن إنقاذ القطاع؟
يرى العاملون في صناعة الدواجن أن الأزمة الحالية تتطلب حلولًا عملية، من بينها تنظيم الإنتاج بما يتناسب مع حجم الطلب، والتوسع في التصدير لاستيعاب الفائض، وتوفير دعم لمستلزمات الإنتاج، مع تعزيز الرقابة على الأسواق لضمان تحقيق توازن بين مصلحة المنتج والمستهلك.
كما يؤكد خبراء التغذية أهمية تكثيف حملات التوعية الغذائية القائمة على الأدلة العلمية، حتى لا تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى المصدر الرئيسي للمعلومات الصحية.
الخلاصة
تكشف أزمة الدواجن الحالية أن تحميل «نظام الطيبات» وحده مسؤولية خسائر القطاع قد لا يعكس الصورة الكاملة، فالأزمة تبدو أكثر تعقيدًا، وتتداخل فيها عوامل اقتصادية وإنتاجية وتسويقية، إلى جانب تغيرات سلوك المستهلك.
وفي المقابل، يبقى الحفاظ على صحة المواطنين هدفًا لا خلاف عليه، لكنه يجب أن يستند إلى توصيات علمية موثقة، كما أن حماية صناعة الدواجن باعتبارها إحدى ركائز الأمن الغذائي المصري تتطلب معالجة جذور الأزمة، وليس الاكتفاء بإلقاء اللوم على نظام غذائي أو حملة متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.


