في إطار رصد التطورات الاقتصادية العالمية وانعكاساتها على الاقتصاد المحلي، نشر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء دراسة تحليلية جديدة بعنوان «حرب العملات والسياسات الحمائية الأمريكية وانعكاساتها على الاقتصاد المصري»، وذلك ضمن سلسلة إصدارات «اتجاهات نقدية ومالية»، التي تهدف إلى تقديم قراءة معمقة للتحولات النقدية والتجارية العالمية وتأثيراتها على الاقتصادات الناشئة، وفي مقدمتها الاقتصاد المصري.
وتأتي الدراسة في توقيت يشهد فيه الاقتصاد العالمي حالة من عدم الاستقرار المتزايد، نتيجة تصاعد التوترات التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى، إلى جانب تنامي الاتجاه نحو السياسات الحمائية، وتقلبات أسعار الصرف، ما يفرض تحديات مباشرة وغير مباشرة على مسارات النمو في الدول النامية.
التحولات في النظام النقدي والتجاري العالمي
تشير الدراسة إلى أن النظام الاقتصادي العالمي يمر بمرحلة إعادة تشكيل واضحة، مع تزايد استخدام أدوات السياسة النقدية وسعر الصرف كوسائل ضغط اقتصادي بين الدول. وتوضح أن ما يُعرف بـ«حرب العملات» لم يعد مجرد سيناريو نظري، بل أصبح احتمالًا قائمًا في ظل التنافس على تعزيز القدرة التصديرية لكل دولة عبر خفض قيمة عملتها أو الحفاظ على مستويات تنافسية لسعر الصرف.
كما رصدت الدراسة تصاعد السياسات الحمائية، خاصة في الاقتصاد الأمريكي، من خلال فرض رسوم جمركية وتقييد بعض الواردات، وهو ما ينعكس على حركة التجارة الدولية ويؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية.
تأثير تقلبات سعر الصرف على الاقتصاد المصري
سلطت الدراسة الضوء على تأثير تقلبات سعر الصرف الحقيقي الفعال على الاقتصاد المصري، باعتباره أحد أهم المؤشرات التي تعكس القدرة التنافسية للاقتصاد في التجارة الخارجية.
وأوضحت أن أي ارتفاع أو انخفاض حاد في قيمة العملة المحلية ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع المستوردة، وبالتالي على معدلات التضخم، وهو ما يؤدي إلى ضغوط على القوة الشرائية للمواطنين.
كما أشارت إلى أن استقرار سعر الصرف يمثل عنصرًا حاسمًا في جذب الاستثمارات الأجنبية، حيث إن التقلبات الحادة قد تؤدي إلى زيادة درجة عدم اليقين لدى المستثمرين، وبالتالي التأثير على تدفقات رؤوس الأموال إلى الداخل.
التضخم وأسعار الفائدة.. حلقة مترابطة
تناولت الدراسة العلاقة الوثيقة بين سعر الصرف والتضخم، موضحة أن ارتفاع تكلفة الواردات نتيجة تراجع قيمة العملة يؤدي إلى زيادة مستويات الأسعار المحلية، وهو ما يدفع البنك المركزي إلى اتخاذ إجراءات نقدية انكماشية، غالبًا عبر رفع أسعار الفائدة.
وأشارت إلى أن هذه السياسات، رغم ضرورتها في بعض الأحيان للسيطرة على التضخم، قد تؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، وارتفاع تكلفة الاقتراض على القطاعين الحكومي والخاص، ما يفرض تحديات على معدلات النمو.
الميزان التجاري وتدفقات الاستثمار
أبرزت الدراسة أن تقلبات العملات والسياسات الحمائية تؤثر أيضًا على الميزان التجاري، حيث قد تؤدي إلى تراجع الصادرات في بعض القطاعات نتيجة اضطراب الطلب العالمي، مقابل ارتفاع فاتورة الواردات.
كما لفتت إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر تتأثر بشكل كبير بحالة الاستقرار النقدي، إذ يميل المستثمرون إلى الأسواق التي تتمتع بدرجة أعلى من القدرة على التنبؤ والاستقرار في السياسات الاقتصادية وسعر الصرف.
الاقتصاد المصري في مواجهة التحديات العالمية
وفيما يتعلق بالاقتصاد المصري، أكدت الدراسة أنه رغم التحديات العالمية، يمتلك الاقتصاد العديد من أدوات المرونة التي تساعده على التكيف مع الصدمات الخارجية، من خلال تنويع مصادر النقد الأجنبي، وتعزيز الصادرات، وجذب الاستثمارات في قطاعات استراتيجية.
كما شددت على أهمية استمرار الإصلاحات الهيكلية، وتطوير السياسات النقدية والمالية بما يحقق توازنًا بين استقرار الأسعار ودعم النمو الاقتصادي، إلى جانب تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.
توصيات
خلصت الدراسة إلى أن تصاعد حدة التوترات التجارية وحرب العملات عالميًا يمثل تحديًا متزايدًا أمام الاقتصادات الناشئة، لكنه في الوقت ذاته يفتح فرصًا أمام الدول التي تمتلك سياسات اقتصادية مرنة وقادرة على التكيف.
وأكدت أن الاقتصاد المصري بحاجة إلى مواصلة تعزيز تنافسيته، وتحسين بيئة الاستثمار، ودعم القطاعات الإنتاجية، بما يضمن تقليل آثار التقلبات العالمية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.


