في واحدة من أكثر التجارب البيئية طموحًا على مستوى العالم، تواصل المملكة العربية السعودية تطوير مفهوم الحج الأخضر باعتباره مشروعًا متكاملًا يجمع بين الطاقة النظيفة، والنقل المستدام، والبنية التحتية الذكية، وإدارة الموارد بكفاءة، بهدف تحويل موسم الحج إلى نموذج عالمي للاستدامة البيئية دون التأثير على جودة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن.
وقال الدكتور أحمد الشناوي، خبير الطاقة الكهربائية، إن مشروع الحج الأخضر يمثل تحولًا نوعيًا في إدارة المشاعر المقدسة، ويعكس توجه المملكة نحو تطبيق أحدث التقنيات البيئية و الطاقة المتجددة ضمن مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030.
من تجربة محدودة إلى مشروع استراتيجي داخل المشاعر المقدسة
وأوضح الشناوي أن مبادرة الحج الأخضر انطلقت لأول مرة عام 2018 كتجربة محدودة في عدد من المواقع داخل المشاعر المقدسة، قبل أن تتوسع لاحقًا لتشمل تطبيق معايير بيئية صارمة بالتعاون مع إمارة منطقة مكة المكرمة ومعهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج.
ويهدف المشروع إلى تقليل البصمة الكربونية الناتجة عن موسم الحج، وتحسين إدارة النفايات، ورفع كفاءة استهلاك الموارد والطاقة بما يتماشى مع مستهدفات الاستدامة البيئية والتحول الأخضر ضمن رؤية المملكة 2030.
قطارات كهربائية ونقل نظيف لتقليل الانبعاثات وخدمة ملايين الحجاج
أكد خبير الطاقة الكهربائية أن النقل الأخضر يمثل أحد الركائز الأساسية للحج المستدام، لذلك جرى التوسع في الاعتماد على وسائل نقل نظيفة وصديقة للبيئة.
ويأتي في مقدمتها قطار المشاعر المقدسة الذي يعمل بنظام الجر الكهربائي ويضم 17 قطارًا، حيث يسهم في نقل مئات الآلاف من الحجاج بين المشاعر المقدسة.
ولا تقتصر أهمية القطار على تسهيل الحركة فقط، بل إنه يتيح وصول هذا العدد الكبير من الحجاج بسهولة ويسر لأداء المناسك خلال وقت قصير مقارنة بوسائل النقل التقليدية، كما يسهم في إزاحة ما يقارب 50 ألف حافلة ركاب من الطرق أثناء موسم الحج، وهو ما يؤدي إلى تقليل الازدحامات المرورية وخفض الانبعاثات الكربونية وتحسين جودة الهواء.
كما يعد قطار الحرمين السريع أحد أهم وسائل النقل الأخضر، إذ يربط بين مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة ومطار الملك عبدالعزيز الدولي، ويوفر وسيلة نقل آمنة وسريعة وعالية الكفاءة البيئية تغني عن الاعتماد على المركبات التقليدية.
أكثر من 400 حافلة كهربائية وحافلات ذاتية القيادة وتاكسي طائر
وأشار الشناوي إلى أن منظومة النقل الأخضر تشمل أيضًا الحافلات الكهربائية الترددي التي يبلغ عددها أكثر من 400 حافلة.
وتعتمد مؤسسات الطوافة والجهات المشرفة على الحج على شبكة ضخمة من الحافلات، إلى جانب الحافلات ذاتية القيادة (بدون سائق) الصديقة للبيئة لنقل الحجاج داخل مكة المكرمة وبين المشاعر المقدسة، بما يضمن توفير بيئة صحية خالية من العوادم وتقليل البصمة الكربونية.
وفي إطار استشراف مستقبل النقل الذكي، شهد العام الماضي تجربة أول تاكسي طائر كهربائي في خطوة طموحة تستهدف بناء منظومة مستقبلية تتكامل فيها وسائل النقل الذكية والصديقة للبيئة لخدمة ملايين الحجاج.
السكوتر الكهربائي يختصر زمن التنقل داخل المشاعر إلى 15 دقيقة
ومن ضمن الحلول الحديثة، اعتمدت الهيئة الملكية لمدينة مكة والمشاعر المقدسة **السكوتر الكهربائيخلال موسم الحج كوسيلة نقل خفيفة وآمنة.
ويسهم هذا النظام في تسهيل تنقل ضيوف الرحمن وتقليل الوقت المستغرق للانتقال بين المشاعر إلى 15 دقيقة بدلًا من ساعة كاملة مشيًا على الأقدام، بما يرفع مستوى الراحة ويعزز كفاءة التنقل.
بنية تحتية كهربائية متطورة ومحطات شحن تعمل بالطاقة النظيفة
وأوضح الشناوي أنه تم توفير الكثير والكثير من محطات الشحن الكهربائية للحافلات الترددية مع إنشاء بنية تحتية متكاملة تضمن استمرار تدفق الطاقة الكهربائية طوال موسم الحج.
كما تم تركيب ألواح طاقة شمسية في بعض محطات الشحن لتكون مصدرًا للطاقة النظيفة وتدعم عمليات الشحن المستدام وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية.
مظلات ذكية تنتج الكهرباء وتحمي الحجاج من حرارة الشمس
ومن بين أبرز الابتكارات البيئية التي تم تطبيقها، توفير مظلات شمسية ذكية للحجاج.
ولا تقتصر وظيفة هذه المظلات على حماية الحجاج من ضربات الشمس أثناء أداء المناسك، بل تم تزويدها بخلايا شمسية لإنتاج الكهرباء تستخدم في:
تشغيل المروحة.
تشغيل المصباح.
توفير نظام تحديد الموقع.
توفير مخرج لشحن الهاتف المحمول والتابلت الملحقين بالمظلة الذكية.
حاويات نفايات ذكية تعمل بالطاقة الشمسية وتقنيات التحكم عن بعد
وفي إطار تطوير أعمال النظافة داخل المشاعر المقدسة، جهزت أمانة العاصمة المقدسة عددًا من حاويات النفايات صديقة البيئة العاملة بالطاقة الشمسية.
وتعتمد هذه الحاويات على أحدث وسائل التقنية والاتصالات عبر الأقمار الصناعية مع إمكانية التحكم في تشغيلها عن بُعد، كما تتميز بسعة تخزينية مرتفعة تصل إلى حوالي 14 مترًا مكعبًا.
طائرة شمسية تعمل ليلًا ونهارًا لمراقبة حركة الحجاج
كما تم تشغيل طائرة تعمل بالطاقة الشمسية لمراقبة حركة الحجاج داخل المشاعر المقدسة.
وتتميز هذه الطائرة بقدرتها على العمل ليلًا ونهارًا من خلال الاستفادة من الطاقة الشمسية التي يتم تخزينها نهارًا لاستخدامها خلال ساعات الليل، بما يدعم إدارة الحشود وتحسين كفاءة التشغيل.
تعميم الطاقة الشمسية فوق الخيام والمباني ومراكز الخدمات
وأشار الشناوي إلى أن المملكة تتجه بصورة مكثفة ومتسارعة نحو تعميم أنظمة الخلايا الشمسية فوق المباني والخيام ومراكز الخدمات داخل المشاعر المقدسة في منى وعرفات ومزدلفة .
كما تم تركيب ألواح الطاقة الشمسية على جميع الخيام بالمشاعر المقدسة بحيث تُستبدل مصادر الطاقة التقليدية بمصادر نظيفة تضمن توفير الكهرباء لأنظمة التبريد والإضاءة دون الإضرار بالبيئة.
وشملت المشروعات كذلك تركيب محطات طاقة شمسية فوق أسطح المقرات الحكومية ومراكز الرعاية الصحية ومباني الإيواء ومحطات الخدمات في منى وعرفات.
طرق شمسية ذكية لتشغيل المراوح ورذاذ المياه وشحن العربات الكهربائية
ومن المشروعات المتطورة أيضًا توفير مسارات بين عرفة ومزدلفة ومنى مغطاة بألواح الطاقة الشمسية لإنتاج كهرباء نظيفة.
وتستخدم الطاقة المنتجة في:
تشغيل المراوح المثبتة بطول الطريق.
إطلاق رذاذ المياه على الحجاج لتخفيف الحرارة.
شحن العربات الكهربائية المخصصة لخدمة الحجاج من كبار السن.
محطة الشعيبة.. أحد أكبر مشروعات الطاقة الشمسية لدعم موسم الحج
ولمواجهة الطلب المتزايد على الطاقة الكهربائية داخل المشاعر المقدسة، تم إنشاء محطة الشعيبة التي تعد من أضخم محطات الطاقة الشمسية في العالم.
وتقع المحطة في مكة المكرمة بطاقة إنتاجية تصل إلى 2600 ميجاواط ، بما يدعم استقرار الشبكة الكهربائية واستمرارية الخدمات خلال موسم الحج.
رؤية 2030.. تحويل الحج إلى رسالة عالمية تجمع بين الروح والاستدامة
وأكد الدكتور أحمد الشناوي أن جميع هذه الخطوات المبتكرة تفتح الباب واسعًا أمام تحويل المشاعر المقدسة إلى نموذج عالمي يحتذى به في تطبيق مفهوم الحج الأخضر.
وأوضح أن الحج الأخضر أصبح واقعًا فعليًا داخل المشاعر المقدسة، حيث تعمل المملكة العربية السعودية على تحويل موسم الحج إلى نموذج عالمي للاستدامة البيئية وفق رؤية 2030، من خلال مشروعات الطاقة المتجددة والطاقة الشمسية وتوسيع شبكات الكهرباء وتقنيات النقل الكهربائي وإدارة الحشود باستخدام الذكاء الاصطناعي .
كما تسهم هذه الجهود في تعزيز كفاءة المرافق والخدمات عبر حلول مبتكرة تشمل التبريد بالطاقة الشمسية وتحسين إدارة النفايات.
واختتم الشناوي بالتأكيد على أن المملكة تأمل في أن تصبح المشاعر المقدسة منظومة بيئية متكاملة تعتمد على الطاقة المتجددة مع دور فعال للحاج في الحفاظ على البيئة ، لتتحول رحلة الحج إلى رسالة إنسانية تجمع بين الروح والبيئة وحماية المستقبل.


