شهد الدكتور مصطفى مدبولي فعالية إطلاق النسخة الثانية من وثيقة سياسة ملكية الدولة، والتي تمثل إحدى الركائز الأساسية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تتبناه الحكومة خلال المرحلة الحالية. وتأتي الوثيقة الجديدة استكمالًا للجهود التي بدأت قبل سنوات بهدف إعادة رسم حدود تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وإتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص للمشاركة في قيادة النمو وتحقيق التنمية المستدامة.
وأكد رئيس مجلس الوزراء، خلال كلمته في الفعالية، أن الدولة المصرية بذلت خلال السنوات الماضية جهودًا كبيرة لضخ استثمارات ضخمة في مختلف القطاعات الاقتصادية، موضحًا أن هذه الاستثمارات لم تكن خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة فرضتها الظروف التي مرت بها البلاد عقب عام 2011، وما شهدته من تحديات اقتصادية وتنموية استدعت تدخل الدولة بشكل مباشر للحفاظ على استقرار الاقتصاد واستمرار عملية التنمية.
وأشار مدبولي إلى أن الحكومة اضطرت خلال تلك المرحلة إلى اتخاذ قرارات استراتيجية مهمة من أجل دفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام، خاصة في ظل تراجع معدلات الاستثمار وضعف قدرة القطاع الخاص على تنفيذ المشروعات الكبرى المطلوبة في ذلك التوقيت. وأضاف أن الدولة تحركت لسد الفجوات التنموية وتوفير البنية الأساسية اللازمة لجذب الاستثمارات، وهو ما انعكس على تنفيذ مشروعات قومية ضخمة في قطاعات الطرق والنقل والطاقة والمرافق والخدمات المختلفة.
وأوضح أن هذه الجهود ساهمت في تهيئة المناخ المناسب أمام المستثمرين، وساعدت على بناء قاعدة قوية يمكن الانطلاق منها نحو مرحلة جديدة يكون فيها القطاع الخاص شريكًا رئيسيًا في عملية التنمية الاقتصادية. وأكد أن الدولة لم يكن هدفها الاستمرار في مزاحمة القطاع الخاص، وإنما تمهيد الطريق أمامه للقيام بدور أكبر وأكثر تأثيرًا في الاقتصاد الوطني.
وشدد رئيس الوزراء على أن الحكومة تؤمن بأن القطاع الخاص يمثل المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي المستدام، مشيرًا إلى أن أحد أهم أهداف وثيقة سياسة ملكية الدولة يتمثل في إعادة دور القطاع الخاص ليقود عجلة النمو خلال السنوات المقبلة. وأضاف أن الحكومة تعمل على إزالة العقبات التي قد تواجه المستثمرين، وتقديم المزيد من التسهيلات والإصلاحات التي تشجع على ضخ استثمارات جديدة في السوق المصرية.
وفي هذا السياق، أوضح مدبولي أن القطاع الخاص يشارك حاليًا بنحو 56.5% من إجمالي الاستثمارات، وهو ما يعكس التطور الذي شهدته مساهمته خلال الفترة الماضية، مؤكدًا أن الحكومة تستهدف زيادة هذه النسبة بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة، بما ينسجم مع مستهدفات الدولة في تعزيز تنافسية الاقتصاد وزيادة معدلات التشغيل والإنتاج.
وأشار إلى أن ما تم تنفيذه خلال السنوات الماضية يُعد إنجازًا مهمًا إذا ما تمت مقارنته بالظروف الإقليمية والدولية التي شهدتها العديد من الدول، لافتًا إلى أن الاقتصاد العالمي تعرض لسلسلة من الأزمات المتلاحقة، بدءًا من تداعيات جائحة كورونا، مرورًا بالأزمات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وصولًا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة.
وأضاف أن الدولة المصرية تمكنت رغم هذه التحديات من الاستمرار في تنفيذ خطط التنمية والحفاظ على استقرار الاقتصاد، وهو ما يعكس قدرة المؤسسات المختلفة على التعامل مع المتغيرات العالمية واحتواء آثارها السلبية. وأكد أن الحكومة مستمرة في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتوازي مع تعزيز الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر احتياجًا.
وتطرق رئيس الوزراء إلى تجربة تطبيق النسخة الأولى من وثيقة سياسة ملكية الدولة، موضحًا أن الحكومة اكتسبت خبرات مهمة خلال فترة التنفيذ، وأن هذه الخبرات ستُسهم في تطوير النسخة الثانية من الوثيقة لتصبح أكثر وضوحًا وفاعلية. وأشار إلى أن عملية التقييم المستمر ساعدت في رصد عدد من الملاحظات والتحديات التي ظهرت خلال التطبيق العملي، وهو ما دفع الحكومة إلى العمل على تحديث الوثيقة وإعادة صياغتها بما يتناسب مع المتغيرات الحالية.
وأكد مدبولي أن الدولة تمتلك اليوم خبرات متراكمة تمكنها من إعداد وثيقة أكثر شمولًا ومرونة، تعتمد على برنامج تنفيذي واضح ومحدد الأهداف، مع وجود آليات متابعة وتقييم تضمن تحقيق النتائج المستهدفة. وأضاف أن النسخة الثانية ستعكس رؤية أكثر تطورًا لدور الدولة في الاقتصاد، وستحدد بشكل أكثر دقة القطاعات التي يمكن للقطاع الخاص أن يتوسع فيها خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن الحكومة ستعمل على تلافي الملاحظات التي ظهرت في الإصدار الأول من الوثيقة، سواء فيما يتعلق بآليات التنفيذ أو الجداول الزمنية أو التنسيق بين الجهات المختلفة، مؤكدًا أن الهدف النهائي هو خلق بيئة استثمارية أكثر جاذبية وشفافية وقدرة على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
ويرى مراقبون أن إطلاق النسخة الثانية من وثيقة سياسة ملكية الدولة يمثل رسالة واضحة للمستثمرين بشأن استمرار التزام الحكومة بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز دور القطاع الخاص. كما يعكس توجه الدولة نحو تحقيق توازن بين دورها التنظيمي والرقابي من جهة، ودور القطاع الخاص الإنتاجي والاستثماري من جهة أخرى.
وتكتسب الوثيقة أهمية خاصة في ظل سعي مصر إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، ورفع معدلات التصدير، وتوفير فرص عمل جديدة للشباب. كما تمثل إحدى الأدوات الرئيسية لتحقيق مستهدفات رؤية مصر للتنمية وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات العالمية.
ومع إطلاق النسخة الثانية من الوثيقة، تبدو الحكومة عازمة على المضي قدمًا في مسار الإصلاح الاقتصادي، مستفيدة من الدروس المستخلصة خلال السنوات الماضية، وبما يضمن تحقيق شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص، ودعم مسيرة التنمية الشاملة التي تستهدف رفع معدلات النمو وتحسين مستوى معيشة المواطنين وتعزيز مكانة الاقتصاد المصري على المستويين الإقليمي والدولي.


