تصاعد الجدل تحت قبة مجلس النواب بشأن قرار تطبيق سعر موحد لاستهلاك الكهرباء للعدادات الكودية وإلغاء نظام الشرائح، بعد أن أثار القرار حالة من القلق بين شريحة واسعة من المواطنين، ودفع لجنة الطاقة والبيئة بالمجلس إلى التحرك لمراجعة تداعياته الاقتصادية والاجتماعية، وسط مطالبات برلمانية بإعادة النظر في آليات تطبيقه وحماية الفئات الأكثر احتياجًا من أي أعباء إضافية.
وخلال اجتماع موسع عقدته لجنة الطاقة والبيئة برئاسة المهندس طارق الملا، ناقش النواب تداعيات القرار استجابة لـ52 طلب إحاطة تقدم بها أعضاء المجلس، تناولت الشكاوى المتزايدة من المواطنين المتضررين من تطبيق نظام السعر الموحد على العدادات الكودية، وما ترتب عليه من زيادة في قيمة فواتير الاستهلاك مقارنة بالنظام السابق القائم على الشرائح.
وأكد رئيس اللجنة أن ملف العدادات الكودية شهد تطورات كبيرة خلال السنوات الماضية، موضحًا أن الهدف الأساسي من هذه العدادات كان تقنين أوضاع المباني المخالفة وتوصيل التيار الكهربائي إليها بصورة مؤقتة ومنظمة لحين استكمال الإجراءات القانونية اللازمة. إلا أن الواقع العملي أظهر توسع استخدام العدادات الكودية ليشمل عقارات مرخصة بالكامل وأخرى قديمة ومبانٍ قيد إجراءات التصالح، وهو ما أدى إلى اتساع قاعدة المشتركين الخاضعين لهذا النظام.
وأشار الملا إلى أن هذا التوسع خلق أوضاعًا جديدة تتطلب إعادة تقييم السياسات المرتبطة بالعدادات الكودية، خاصة أن آلاف الأسر أصبحت تعتمد عليها بصورة دائمة في تلبية احتياجاتها اليومية من الكهرباء، الأمر الذي يجعل أي تعديل في منظومة التسعير مؤثرًا بشكل مباشر على مستوى المعيشة والأعباء الشهرية للمواطنين.
وشهد الاجتماع مناقشات موسعة حول العقبات التي تواجه المواطنين الراغبين في تحويل عداداتهم الكودية إلى عدادات قانونية دائمة، حيث استعرض النواب عدداً من المشكلات المتعلقة بالإجراءات الإدارية وطول مدة استخراج التراخيص أو استكمال إجراءات التصالح، إلى جانب ما وصفوه بضعف التنسيق بين بعض الجهات الحكومية المعنية، وهو ما أدى إلى استمرار عدد كبير من المواطنين داخل منظومة العدادات الكودية رغم استيفاء بعضهم لشروط التحويل.
وأكد عدد من أعضاء مجلس النواب أن استمرار العمل بنظام السعر الموحد قد يؤدي إلى تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية لا تتناسب مع مستويات استهلاكهم الفعلية، خاصة محدودي ومتوسطي الدخل الذين كانوا يستفيدون من الشرائح الأقل تكلفة ضمن نظام المحاسبة التقليدي.
وطالب النواب بإلغاء قرار توحيد التسعيرة والعودة إلى نظام الشرائح الذي يراعي مستويات الاستهلاك المختلفة، معتبرين أن نظام الشرائح يحقق قدرًا أكبر من العدالة الاجتماعية من خلال منح المستهلكين ذوي الاستهلاك المحدود أسعارًا أقل مقارنة بأصحاب الاستهلاك المرتفع.
كما شدد أعضاء اللجنة على ضرورة مراعاة البعد الاجتماعي عند اتخاذ أي قرارات تتعلق بأسعار الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، مؤكدين أهمية توفير مظلة حماية للفئات الأولى بالرعاية، بما يشمل المستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية مثل “تكافل وكرامة”، وأصحاب المعاشات، والمرأة المعيلة، وذوي الهمم، وغيرهم من الفئات التي قد تتأثر بصورة أكبر بأي زيادة في تكلفة الخدمات.
من جانبهم، أوضح مسؤولو وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أن دور الوزارة يقتصر على تحديد تكلفة إنتاج ونقل وتوزيع الطاقة الكهربائية وتقديم البيانات الفنية والاقتصادية اللازمة إلى جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، باعتباره الجهة المختصة بإعداد مقترحات التسعير ودراسة السيناريوهات المختلفة قبل رفعها إلى مجلس الوزراء لاعتماد القرار النهائي.
وأكد ممثلو الوزارة خلال الاجتماع أن منظومة التسعير تخضع لاعتبارات عديدة تشمل التكلفة الحقيقية لإنتاج الكهرباء والتوازن بين استدامة الخدمة وتخفيف الأعباء عن المواطنين، مشيرين إلى أن القرارات النهائية الخاصة بالتسعير تصدر بعد مراجعات ودراسات متخصصة من الجهات المعنية.
وفي ختام المناقشات، شددت لجنة الطاقة والبيئة على ضرورة إعادة النظر في القرار محل الجدل، مؤكدة أهمية دراسة آثاره الاجتماعية والاقتصادية بشكل شامل قبل الاستمرار في تطبيقه. كما قررت اللجنة دعوة وزراء الكهرباء والطاقة المتجددة، والتنمية المحلية، والإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، إلى اجتماع عاجل قبل نهاية الشهر الجاري لمناقشة الملف بصورة متكاملة.
وتهدف اللجنة من خلال الاجتماع المرتقب إلى الوقوف على أسباب استمرار المشكلات المرتبطة بالعدادات الكودية، ومراجعة الإجراءات الخاصة بتحويلها إلى عدادات قانونية، فضلاً عن بحث التوصية البرلمانية المطالبة بوقف العمل بقرار إلغاء نظام الشرائح لحين التوصل إلى حلول تحقق التوازن بين متطلبات قطاع الكهرباء والاعتبارات الاجتماعية للمواطنين.
ويرى مراقبون أن تحرك البرلمان في هذا التوقيت يعكس الاهتمام المتزايد بملف العدادات الكودية وتأثيره المباشر على ملايين المواطنين، خاصة مع تزايد الاعتماد على الكهرباء كخدمة أساسية لا غنى عنها في الحياة اليومية. كما يعكس حرص مجلس النواب على متابعة القرارات ذات التأثير الجماهيري والتأكد من توافقها مع الأهداف الاجتماعية والاقتصادية للدولة.
ومع اقتراب موعد الاجتماع المرتقب بحضور الوزراء المعنيين، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه المناقشات من قرارات أو توصيات قد تعيد رسم آليات محاسبة العدادات الكودية خلال الفترة المقبلة، في ظل مطالب واسعة بإيجاد حلول تحقق العدالة للمستهلكين وتحافظ في الوقت ذاته على استدامة خدمات الكهرباء وكفاءة تشغيل القطاع.


