تشهد الساحة الدبلوماسية الدولية حالة متصاعدة من التوتر والترقب، عقب ما كشفته وسائل إعلام إيرانية بشأن المفاوضات التي استضافتها سويسرا بين وفد من طهران والجانب الأمريكي. وبحسب الرواية الإيرانية، فإن هذه الجولة من المحادثات لم تتطرق إلى الملف النووي الإيراني كما كان متوقعًا، وإنما ركزت على ملفات إقليمية وأمنية شديدة الحساسية، في مقدمتها الوضع في لبنان وملف الملاحة في مضيق هرمز.
وأفاد التلفزيون الإيراني بأن المفاوضات جاءت في سياق مختلف عن الجولات السابقة، حيث انصب الاهتمام على بحث آليات تنفيذ بنود محددة من مذكرة تفاهم سابقة بين الطرفين، وسط استمرار الخلافات العميقة بين واشنطن وطهران، وغياب الثقة السياسية، وهو ما جعل الحوار يدور حول قضايا جانبية مقارنة بالملف النووي الذي ظل لسنوات محور التفاوض الأساسي.
أولًا: البند 13 يتحول إلى محور النقاش بدل الملف النووي
ووفقًا لما أوردته وسائل الإعلام الإيرانية، فإن المحادثات ركزت بشكل أساسي على ما يُعرف بـ«البند 13» من مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو بند واسع يتناول مجموعة من الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية ذات الطابع الإقليمي، بدلًا من الدخول في تفاصيل الملف النووي المعقد.
ويتضمن هذا البند – بحسب المصادر الإيرانية – ملفات تتعلق بوقف العمليات العسكرية في عدد من المناطق، بما في ذلك لبنان، إلى جانب بحث ترتيبات خاصة بالملاحة في المنطقة، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة عالميًا. كما يشمل البند مناقشات حول تسهيلات محتملة لتصدير النفط الإيراني، وإعادة الأموال المجمدة، وتخفيف بعض القيود الاقتصادية المفروضة على طهران منذ سنوات.
ثانيًا: احتجاج إيراني رسمي وتصعيد دبلوماسي
وفي تطور لافت، ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن الوفد المشارك في مفاوضات سويسرا قدم احتجاجًا رسميًا إلى الجانب الأمريكي، على خلفية التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تضمنت تهديدات مباشرة لطهران في حال اتخاذ خطوات تصعيدية في المنطقة.
وأشارت وكالة «برس تي في» إلى أن الوفد الإيراني اعتبر هذه التصريحات تصعيدًا خطيرًا يتعارض مع أجواء الحوار القائمة، مؤكدًا أن مثل هذه المواقف تعرقل جهود التفاوض وتزيد من تعقيد المشهد السياسي في المنطقة، في وقت حساس يشهد فيه الشرق الأوسط توترات متصاعدة على أكثر من جبهة.
ثالثًا: ترامب يلوّح بالقوة بشأن مضيق هرمز
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد صعّد من لهجته تجاه إيران، مؤكدًا أن بلاده حذرت طهران بشكل مباشر من أي محاولة لإغلاق مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن مثل هذه الخطوة ستكون لها عواقب وخيمة على إيران نفسها وعلى استقرار المنطقة بأكملها.
وأضاف ترامب أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تهديد لحرية الملاحة في الممرات الدولية، معتبرًا أن أمن الطاقة العالمي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وهو ما اعتبرته طهران تهديدًا مباشرًا وتصعيدًا غير مبرر يزيد من حالة الاحتقان بين الطرفين.
رابعًا: طهران تعتبر التصريحات انتهاكًا لمذكرة التفاهم
من جانبها، نقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية عن وفد التفاوض قوله إن التصريحات الأمريكية الأخيرة تمثل «انتهاكًا صارخًا» لمذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين، مشيرًا إلى أن استمرار هذا الخطاب التصعيدي يضعف فرص الوصول إلى تفاهمات حقيقية ومستدامة.
وأكد الوفد الإيراني أن هذه التصريحات لا تتماشى مع مسار التفاوض القائم، بل تعمل على تقويضه بشكل مباشر، في وقت تسعى فيه بعض الأطراف الدولية إلى دفع مسار الحوار نحو التهدئة بدلًا من التصعيد.
خامسًا: ملفات معقدة خارج الإطار النووي
وتشير المعطيات إلى أن النقاشات التي جرت في سويسرا شملت مجموعة من الملفات شديدة الحساسية، من بينها ترتيبات تتعلق بوقف العمليات العسكرية في بعض مناطق النفوذ الإقليمي، إلى جانب ملف حرية الملاحة في مضيق هرمز، والتعامل مع صادرات النفط الإيرانية، والأموال المجمدة في الخارج.
ويرى محللون أن نقل مركز النقاش من الملف النووي إلى هذه الملفات يعكس محاولة لإدارة الأزمة عبر مسارات متعددة، قد تكون أقل حساسية سياسيًا في الظاهر، لكنها تحمل أبعادًا استراتيجية عميقة تتعلق بتوازنات النفوذ في المنطقة.
سادسًا: ترقب دولي لمستقبل المفاوضات
وتتابع القوى الدولية والإقليمية عن كثب تطورات هذه المفاوضات، في ظل المخاوف من أن يؤدي أي تصعيد سياسي أو عسكري إلى اضطراب أكبر في أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع أهمية مضيق هرمز كممر رئيسي لنقل النفط والغاز.
كما يحذر خبراء من أن استمرار تبادل الاتهامات والتصريحات التصعيدية بين واشنطن وطهران قد يؤدي إلى تقويض أي فرص للتوصل إلى اتفاق شامل، ويدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من التوتر وعدم الاستقرار.
خاتمة: مشهد مفتوح على كل الاحتمالات
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى مفاوضات سويسرا مفتوحة على عدة سيناريوهات، بين إمكانية التوصل إلى تفاهمات جزئية محدودة، أو الدخول في موجة جديدة من التصعيد السياسي والدبلوماسي، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.


