هل تنبثق قدسية الأمكنة من طبيعة ترابها وجغرافيتها، أم أن التاريخ هو الذي يمنح الجغرافيا صكوك الامتياز؟ سؤالٌ فلسفي عريق يجد إجابته في السنن الإلهية التي وزعت المزايا بين بقاع الأرض؛ فالله سبحانه وتعالى اصطفى من حواضر هذا العالم وأريافه، وسهوله وجباله، وبحاره وأنهاره، أمكنةً محددة صبَّ عليها من فيوض بركاته، وجعل لها حظوةً ورفعةً على ما سواها.
وإذا ما أمعنَّا النظر في الأسباب الكامنة وراء تفضيل تلك الربوع، سنكتشف حقيقةً مفادها أن بركة معظم تلك البلاد لم تكن نابعةً من جوهرها المجرد، بل كانت «بركةً بالتبعية»؛ أي إنها اكتسبت شرفها من أحداثٍ عظيمة احتضنتها، أو من رموزٍ سماوية حلَّت في رحابها.
ويتجلى هذا النمط بوضوح عند قراءة الرموز الجغرافية الكبرى في التاريخ الإنساني؛ فمكة المكرمة ارتدت حُلَل الأفضلية لأنها المحضن الإلهي الذي شهد مولد الرسول الخاتم ﷺ ونشأته، ولأنها تحتضن الكعبة المشرفة، والمسجد الحرام، ونبع زمزم المبارك. وعلى المنوال ذاته، ارتفعت مكانة المدينة المنورة لأنها كانت دار الهجرة النبوية الشريفة، والمسرح الطاهر الذي شهد تفاصيل الرسالة، وفيها مثوى الجسد النبوي الشريف. حتى إن السجال العلمي والتاريخي في المفاضلة بين مكة والمدينة قد حُسم برباط النبوة، إذ أجمع المحققون على أن البقعة التي ضمت الجسد النبوي الشريف هي أشرف بقعة على وجه الأرض.
ويتكرر هذا التلازم بين الشرف والحدث في بيت المقدس وأكناف الشام، حيث نالت قدسيتها لأنها أرض الأنبياء، وموطن المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، والمحطة الأرضية التي انطلق منها المعراج السماوي. وهي شواهد تؤكد أن رمزية تلك البلاد كانت ثمرةً لأحداثٍ عظيمة جرت فوقها، لا لمجرد تكوينها الجغرافي.
لكن الميزان يختلف تمامًا عندما نلتفت إلى مصر؛ فهذا البلد يمثل حالةً فريدة في الجغرافيا السياسية والروحية، إذ جمع بين نوعين من الشرف: بركة التبعية التاريخية، وعظمة الخصائص الذاتية.
فمن ناحية البركات الإلهية المكتسبة، يكفي مصر فخرًا أن الله أجرى في ربوعها نيلها العذب، الذي تصفه المأثورات بأنه فيضٌ من الجنة، واختار بقعتها الطاهرة ليتجلى سبحانه فوق واديها المقدس حين كلَّم موسى تكليمًا، وجعل من أرضها الدافئة ملاذًا آمنًا لجأ إليه السيد المسيح عيسى عليه السلام وأمه السيدة مريم البتول خلال رحلة العائلة المقدسة.
ومع كل تلك الفيوضات الروحية، تفردت مصر بامتلاكها خصائص حضارية وذاتية لم تُمنح لغيرها؛ خصائص تنطق بها حروف اسمها، وتتجلى في عبقرية تضاريسها، ووفرة مياهها، وموقعها الذي يتوسط العالم، وخزائنها التي أطعمت البشرية في أوقات الشدة والمجاعات. إنها الهوية التي يتطابق فيها الأمن مع السلم، ويتكامل فيها وعي الشعب مع بسالة الجيش، وتلتقي فيها أصالة الدين مع موسوعية العلم، لتظل مصر دائمًا مبتدأ الحضارة، وعنوان الريادة الإنسانية.
وفي السطور التالية سنبحر في تفكيك هذه الخصائص الفريدة التي جعلت من هذا الوطن حالةً استثنائية في تاريخ الأمم.
فهذه هي أهم المحاور التي تكشف للقارئ بعض الجوانب الذاتية وغير الذاتية لأفضلية مصر وخيريتها؛ فيما فُضِّلت فيه كغيرها، وما امتازت به واختُصَّت به دون سواها، فنالت بذلك الفضيلتين، وجمعت بين الحسنيين، وعلا شرفها بين سائر الأمصار، وحازت الريادة عبر مختلف الأعصار، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾.
وهذا ما خطَّه فضيلة الدكتور مصطفى الأقفهصي في كتابه «مصر في المأثورات والأخبار وحكايات سالفي الأخيار»، الذي استعرض فيه ما ورد في فضل مصر ومكانتها في المأثورات والأخبار وأقوال سالفي الأخيار، ضمن سلسلة علمية بدأها بكتاب «الأربعون المصرية.. أربعون حديثًا في فضائل مصر ومكانتها»، وتُعد هذه الحلقة الثانية من تلك السلسلة المباركة.


