سجلت أسعار النفط العالمية ارتفاعًا محدودًا خلال تعاملات الثلاثاء، في وقت تواصل فيه الأسواق موازنة تأثير التوترات الأمنية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط مع توقعات زيادة الإمدادات النفطية من تحالف “أوبك+”، وسط ترقب المستثمرين لمسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، التي باتت تمثل العامل الأكثر تأثيرًا في اتجاهات السوق خلال المرحلة الحالية.
ورغم أن التوترات الأمنية في الخليج، وعلى رأسها الأحداث المتلاحقة في مضيق هرمز، عادة ما تمنح أسعار النفط دفعة قوية، فإن رد فعل الأسواق جاء هذه المرة أكثر هدوءًا، في ظل قناعة المتعاملين بأن الإمدادات العالمية لا تزال كافية لتلبية الطلب، إلى جانب استمرار المنتجين في تنفيذ خطط زيادة الإنتاج تدريجيًا.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 28 سنتًا لتصل إلى 72.29 دولارًا للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 29 سنتًا ليسجل 68.84 دولارًا للبرميل، بعدما أنهت الأسعار الجلسة السابقة بالقرب من مستوياتها التي كانت سائدة قبل اندلاع التوترات الأخيرة بين واشنطن وطهران.
ويرى محللون أن الأسواق بدأت تتعامل مع التطورات الجيوسياسية بقدر أكبر من الحذر، بعدما تراجعت علاوة المخاطر التي كانت تدعم أسعار النفط خلال الأسابيع الماضية، نتيجة تحسن الإمدادات واستمرار تدفق الصادرات النفطية من الدول الرئيسية المنتجة.
وأكد خبراء في أسواق الطاقة أن المستثمرين يركزون حاليًا على المؤشرات الأساسية للسوق، وفي مقدمتها مستويات الإنتاج العالمي، ومعدلات الطلب، وحجم المخزونات التجارية، أكثر من تركيزهم على التطورات السياسية، ما لم تؤد تلك التطورات إلى تعطيل فعلي للإمدادات.
وفي المقابل، لا تزال المخاوف الأمنية حاضرة بقوة، خاصة مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الخام والغاز الطبيعي المسال القادمة من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية.
وزادت المخاوف بعد أن نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول أمريكي قوله إن الحرس الثوري الإيراني أطلق صاروخين على الأقل باتجاه سفن تجارية كانت تعبر مضيق هرمز، في حادث أثار قلقًا واسعًا داخل الأوساط الاقتصادية والبحرية، بالنظر إلى أهمية المضيق في حركة التجارة الدولية.
وفي تطور متزامن، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية اندلاع حريق على متن ناقلة نفط عقب تعرضها لإصابة بمقذوف مجهول أثناء إبحارها في بحر العرب قبالة سلطنة عُمان.
وأوضحت الهيئة أن المقذوف أصاب الجانب الأيسر من الناقلة، التي كانت تبحر جنوبًا على بعد نحو 14.8 كيلومترًا شرق منطقة ليما العُمانية، مؤكدة عدم وقوع إصابات بين أفراد الطاقم وعدم تسجيل أي تلوث بيئي حتى الآن، بينما تستمر التحقيقات لتحديد طبيعة المقذوف والجهة المسؤولة عن الحادث.
ورغم خطورة هذه التطورات، فإن الأسواق لم تشهد قفزات كبيرة في الأسعار، إذ يرى المستثمرون أن الأحداث الأمنية، رغم حساسيتها، لم تؤثر حتى الآن بصورة مباشرة على حركة صادرات النفط أو إمدادات الخام العالمية.
وفي الوقت نفسه، تترقب الأسواق نتائج المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل اعتقاد واسع بأن أي تقدم في المفاوضات قد يساهم في تهدئة الأوضاع الأمنية بالمنطقة، بينما قد يؤدي فشلها إلى زيادة احتمالات التصعيد.
كما تراقب الأسواق عن كثب مستويات إنتاج النفط لدى كبار المنتجين، خاصة بعد أن أظهرت بيانات ارتفاع إنتاج دولة الإمارات خلال يونيو الماضي إلى أكثر من 3.8 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ عام 2020، في مؤشر على استمرار زيادة الإمدادات من دول الخليج.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تنفيذ تحالف “أوبك+” خطته التدريجية لإعادة جزء من الإنتاج المخفض إلى الأسواق، بعدما اتفق أعضاء التحالف على رفع أهداف الإنتاج بنحو 188 ألف برميل يوميًا اعتبارًا من أغسطس المقبل، في خطوة تستهدف تلبية الطلب العالمي والحفاظ على استقرار السوق.
ويرى محللون أن استمرار زيادة الإنتاج قد يحد من أي ارتفاعات قوية في أسعار النفط، حتى مع استمرار التوترات الجيوسياسية، طالما لم تتعرض الإمدادات الفعلية لأي تعطيل.
وفي الجانب السياسي، تصاعدت حدة التصريحات الأمريكية، بعدما أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده تمتلك خيارين فقط في التعامل مع إيران، إما التوصل إلى اتفاق عبر المفاوضات أو اللجوء إلى ما وصفه بـ”إنهاء المهمة”، في إشارة إلى إمكانية تنفيذ عمليات عسكرية إذا تعثرت المحادثات.
وأوضح ترامب أن واشنطن تفضل الحلول الدبلوماسية، لكنها تمتلك القدرة على استهداف منشآت حيوية وتعطيل قطاع الطاقة الإيراني إذا اقتضت الضرورة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لا تستهدف تغيير النظام الإيراني، وإنما تسعى إلى اتفاق يضمن منع تطوير البرنامج النووي الإيراني.
وجاءت تصريحات الرئيس الأمريكي عقب انتهاء جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران دون الإعلان عن تحقيق تقدم ملموس، وهو ما أبقى حالة الترقب مسيطرة على الأسواق العالمية.
في المقابل، تتواصل الجهود الدبلوماسية التي تقودها أطراف إقليمية ودولية لمنع اتساع دائرة التصعيد، والحفاظ على أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية.
كما تتزامن هذه التطورات مع استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية، وسط مخاوف من توسع المواجهات بين حزب الله وإسرائيل، وهو ما يزيد من حالة عدم اليقين في منطقة الشرق الأوسط، ويضع الأسواق العالمية أمام تحديات متزايدة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن مستقبل أسعار النفط خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بثلاثة عوامل رئيسية، هي تطورات المفاوضات الأمريكية الإيرانية، ومستويات إنتاج “أوبك+”، ومدى استقرار الأوضاع الأمنية في مضيق هرمز.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأسواق أمام مرحلة من التقلبات المستمرة، حيث قد يؤدي أي تصعيد عسكري جديد إلى ارتفاع الأسعار سريعًا، بينما قد يسهم نجاح الجهود الدبلوماسية وزيادة الإمدادات في احتواء الأسعار والحفاظ على استقرار سوق الطاقة العالمي خلال الأشهر المقبلة.


