دخل مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مرحلة بالغة الحساسية بعد تراجع حركة الملاحة إلى مستويات غير مسبوقة، في أعقاب استمرار الضربات الجوية الأمريكية على أهداف داخل إيران لليوم الثاني على التوالي، وما تبعها من تصاعد المخاوف بشأن انهيار الهدنة الهشة بين الطرفين، الأمر الذي أثار قلقًا واسعًا في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ويُعد مضيق هرمز الشريان الرئيسي لتدفقات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية، إذ يمر عبره ما يقرب من خمس الاستهلاك العالمي من النفط، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة داخله ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
حركة الملاحة تتراجع بشكل حاد
وأظهرت بيانات تتبع السفن، الخميس، تراجعًا شبه كامل في حركة الملاحة داخل المضيق، حيث اقتصرت التحركات على عدد محدود للغاية من السفن، في مشهد يعكس حالة الترقب والحذر التي تسيطر على شركات الشحن العالمية.
وبحسب البيانات، تركزت أغلب التحركات عبر المسار البحري الشمالي القريب من السواحل الإيرانية، في حين بدا الممر الملاحي الجنوبي القريب من السواحل العُمانية، والذي يحظى بدعم ومراقبة من الولايات المتحدة، شبه خالٍ من حركة السفن.
ورصدت أنظمة التتبع عبور ناقلة نفط عملاقة خاضعة لعقوبات أمريكية كانت تغادر الخليج العربي، إلى جانب سفينة حاويات ترفع العلم الإيراني، فيما لم تظهر حركة اعتيادية لبقية الناقلات التجارية الكبرى.
ورغم ذلك، لا يستبعد خبراء الملاحة وجود سفن تعبر المضيق دون تشغيل أنظمة التعريف الآلي (AIS)، في محاولة لتقليل مخاطر الاستهداف أو التتبع خلال التوترات الحالية.
شريان حيوي للاقتصاد العالمي
ويمثل مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية استراتيجية في العالم، إذ يربط الخليج العربي بخليج عُمان ثم بحر العرب، ويبلغ عرضه نحو 33 كيلومترًا فقط في أضيق نقطة، بينما لا يتجاوز عرض ممري الملاحة المخصصين لعبور السفن بضعة كيلومترات.
وتعتمد دول الخليج بصورة شبه كاملة على هذا الممر لتصدير النفط الخام والغاز الطبيعي، وفي مقدمتها السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر، إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
ويؤكد خبراء الطاقة أن أي تعطيل للملاحة داخل المضيق يؤدي إلى اضطراب مباشر في الإمدادات العالمية، ويخلق ضغوطًا على الأسعار، خاصة في ظل محدودية البدائل القادرة على تعويض الكميات التي تمر عبره يوميًا.
شركات الشحن ترفع حالة التأهب
ودفعت التطورات الأمنية المتسارعة شركات النقل البحري العالمية إلى إعادة تقييم مسارات سفنها، وسط ارتفاع ملحوظ في تكاليف التأمين البحري، وتحذيرات متزايدة من المخاطر الأمنية.
كما بدأت بعض الشركات في تأجيل رحلاتها أو تقليص عدد السفن المتجهة إلى الخليج العربي، انتظارًا لاتضاح مسار الأزمة، في حين رفعت شركات التأمين قيمة أقساط تغطية مخاطر الحرب على السفن العاملة في المنطقة.
ويرى متخصصون في قطاع النقل البحري أن استمرار التوترات قد يؤدي إلى اختناقات لوجستية تؤثر على حركة التجارة الدولية، وليس فقط على صادرات النفط.
أسواق الطاقة تترقب
انعكست التطورات في مضيق هرمز على تعاملات أسواق الطاقة، حيث يراقب المستثمرون الموقف عن كثب تحسبًا لأي تصعيد قد يؤدي إلى انقطاع فعلي في الإمدادات.
ويؤكد محللون أن مجرد تراجع حركة الملاحة داخل المضيق كفيل بإثارة حالة من القلق في الأسواق، حتى وإن لم يحدث إغلاق رسمي للممر البحري، لأن المخاطر الأمنية تدفع الشركات إلى تقليل عمليات الشحن بصورة احترازية.
وتظل احتمالات ارتفاع أسعار النفط والغاز قائمة بقوة إذا استمرت التوترات العسكرية أو توسعت رقعة المواجهة، خاصة مع اعتماد الاقتصاد العالمي بشكل كبير على إمدادات الخليج.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
يرى خبراء أن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز سيظل مرهونًا بمسار التطورات العسكرية والدبلوماسية خلال الأيام المقبلة.
فالسيناريو الأول يتمثل في نجاح الجهود السياسية في احتواء التصعيد، بما يسمح بعودة تدريجية لحركة السفن واستقرار الأسواق.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار الضربات المتبادلة أو توسعها، وهو ما قد يدفع مزيدًا من شركات الملاحة إلى تعليق رحلاتها، ويزيد الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
وفي السيناريو الأكثر خطورة، قد يؤدي اتساع نطاق المواجهة إلى تعطيل واسع للملاحة في المضيق، وهو ما ستكون له تداعيات اقتصادية كبيرة على التجارة الدولية وأسعار النفط والغاز.
قلق عالمي متزايد
وتتابع الحكومات والمؤسسات الاقتصادية الدولية تطورات الأوضاع في الخليج باهتمام بالغ، نظرًا للأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز بالنسبة للاقتصاد العالمي.
ويؤكد مراقبون أن أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر الحيوي لن يقتصر تأثيره على أسواق الطاقة، بل سيمتد إلى أسعار النقل البحري وسلاسل الإمداد والتضخم العالمي، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد الدولي يواجه تحديات مرتبطة بتباطؤ النمو وارتفاع تكاليف التمويل.
وفي ظل استمرار التصعيد العسكري، يبقى مضيق هرمز في قلب المشهد الجيوسياسي، باعتباره أحد أهم نقاط الاختبار لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، بينما تترقب الأسواق ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو التهدئة، أم أنها ستدخل مرحلة جديدة من التصعيد قد تحمل تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي.


