واصلت قناة السويس تأكيد مكانتها كأحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، بعدما سجلت إيراداتها نموًا ملحوظًا خلال أول تسعة أشهر من العام المالي 2025/2026، في مؤشر يعكس نجاح جهود الدولة في استعادة حركة الملاحة البحرية، رغم استمرار التحديات الإقليمية المرتبطة بأمن الملاحة في البحر الأحمر. وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري ارتفاع إيرادات رسوم العبور بنسبة 22.1% لتصل إلى نحو 3.2 مليار دولار، مدعومة بتحسن أعداد السفن العابرة وحمولاتها، إلى جانب السياسات التي انتهجتها هيئة قناة السويس لجذب الخطوط الملاحية العالمية.
زيادة ملحوظة في الإيرادات
كشف البنك المركزي المصري، في تقرير ميزان المدفوعات، أن إيرادات رسوم المرور عبر قناة السويس ارتفعت بنسبة 22.1% خلال أول تسعة أشهر من السنة المالية 2025/2026، لتسجل نحو 3.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 2.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق.
ويأتي هذا الأداء الإيجابي بعد فترة صعبة شهدتها القناة نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، والتي دفعت العديد من شركات الشحن العالمية إلى تغيير مسارات سفنها واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ما انعكس سلبًا على الإيرادات خلال العام الماضي.
تعافٍ تدريجي لحركة الملاحة
يرى خبراء النقل البحري أن ارتفاع الإيرادات يعكس بداية تعافي حركة الملاحة الدولية عبر قناة السويس، في ظل تحسن الأوضاع تدريجيًا، وعودة عدد من الخطوط الملاحية لاستخدام المجرى الملاحي باعتباره أقصر وأقل تكلفة مقارنة بالطرق البديلة.
كما ساهمت الحوافز التي أعلنتها هيئة قناة السويس خلال الأشهر الماضية، إلى جانب مرونة السياسات التسويقية، في تشجيع عدد من شركات النقل البحري على استئناف العبور عبر القناة، وهو ما انعكس على نمو الإيرادات.
قناة السويس.. شريان رئيسي للاقتصاد المصري
تمثل قناة السويس أحد أهم مصادر العملة الأجنبية في مصر، إلى جانب تحويلات المصريين بالخارج، والسياحة، والصادرات.
وتؤدي القناة دورًا محوريًا في دعم الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية، كما تسهم بشكل مباشر في توفير السيولة الدولارية اللازمة لتلبية احتياجات الاقتصاد، خاصة في ظل التحديات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
ويعد تحسن إيرادات القناة مؤشرًا إيجابيًا على قدرة الاقتصاد المصري على استعادة أحد أهم موارده الدولارية، رغم استمرار حالة عدم اليقين في حركة التجارة العالمية.
البحر الأحمر يفرض تحديات مستمرة
ورغم هذا التحسن، لا تزال قناة السويس تواجه تحديات مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر، والتي أثرت على حركة التجارة العالمية منذ نهاية عام 2023.
وأجبرت تلك التطورات العديد من شركات الشحن على إعادة تقييم مساراتها البحرية، الأمر الذي أدى إلى تراجع أعداد السفن العابرة خلال فترات سابقة، وانخفاض الإيرادات مقارنة بالمعدلات الطبيعية.
إلا أن المؤشرات الأخيرة توضح أن حركة الملاحة بدأت تستعيد جزءًا من نشاطها، وهو ما انعكس على الإيرادات خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي الحالي.
استراتيجية للحفاظ على التنافسية
حرصت هيئة قناة السويس خلال الفترة الماضية على تنفيذ مجموعة من الإجراءات للحفاظ على تنافسية المجرى الملاحي، من بينها تقديم حوافز وتخفيضات لفئات محددة من السفن، إلى جانب تطوير الخدمات البحرية واللوجستية، ورفع كفاءة منظومة الإرشاد والإنقاذ.
كما تواصل الهيئة تنفيذ خطط تطوير المجرى الملاحي، وزيادة جاهزيته لاستقبال الأجيال الجديدة من السفن العملاقة، بما يعزز مكانة القناة كأحد أهم الممرات الملاحية في العالم.
انعكاسات إيجابية على ميزان المدفوعات
يسهم ارتفاع إيرادات قناة السويس في تحسين مؤشرات ميزان المدفوعات، من خلال زيادة حصيلة الخدمات، وتعزيز موارد النقد الأجنبي، وهو ما يدعم قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، ويعزز استقرار سوق الصرف.
كما يساعد نمو الإيرادات في تقليص الضغوط على الحساب الجاري، خاصة مع تحسن عدد من البنود الأخرى، مثل إيرادات السياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج.
توقعات بمزيد من التحسن
يتوقع محللون أن تستمر إيرادات قناة السويس في التحسن خلال الفترة المقبلة، حال استمرار استقرار الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر، وعودة المزيد من شركات الملاحة إلى استخدام القناة باعتبارها المسار الأكثر كفاءة والأقل تكلفة.
كما يُنتظر أن تسهم المشروعات اللوجستية التي تنفذها الدولة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتوسع في تقديم الخدمات البحرية، في تعزيز القيمة المضافة للقناة، وتحويلها من مجرد ممر ملاحي إلى مركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية.
قناة السويس.. ركيزة للتنمية الاقتصادية
تؤكد الزيادة الأخيرة في إيرادات قناة السويس قدرة هذا المرفق الحيوي على التعامل مع المتغيرات العالمية واستعادة زخمه تدريجيًا، بما يعزز مساهمته في دعم الاقتصاد الوطني. ويظل استمرار تطوير القناة، إلى جانب تنمية المنطقة الاقتصادية المحيطة بها، أحد المحاور الرئيسية لتعظيم الاستفادة من موقع مصر الاستراتيجي، وزيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي، ودعم خطط التنمية المستدامة خلال السنوات المقبلة.


