قفزت أسعار النفط العالمية مع بداية تعاملات الأسبوع، مدفوعة بتصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في تطور أعاد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية وحركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.
وجاءت موجة الصعود الجديدة بعد تنفيذ الولايات المتحدة ضربات عسكرية جديدة، في وقت تصاعدت فيه التحركات الإيرانية والتصريحات المتبادلة بشأن الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة.
أسعار النفط تواصل الصعود
شهدت الأسواق ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الخام، حيث ارتفع خام برنت تسليم سبتمبر بنسبة 4.1% ليصل إلى 79.15 دولارًا للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط تسليم أغسطس بنسبة 4.2% ليسجل 74.40 دولارًا للبرميل.
وجاءت هذه المكاسب بعد ارتفاع خام برنت بنسبة 5.4% خلال الأسبوع الماضي، في ظل تصاعد المخاوف من تعطل إمدادات النفط القادمة من منطقة الخليج، والتي تمثل المصدر الرئيسي لإمدادات الطاقة العالمية.
ضربات أمريكية جديدة وتصعيد متبادل
شهدت الأزمة تصعيدًا جديدًا بعدما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ جولة جديدة من الضربات العسكرية، مؤكدة أن العمليات جاءت ردًا على هجوم إيراني استهدف سفينة حاويات ترفع علم قبرص.
كما أشارت تقارير إعلامية إلى أن القوات الأمريكية اعترضت صاروخ كروز وطائرة مسيرة هجومية خلال العمليات الأخيرة، في وقت تحدثت فيه تقارير عن تعرض عدد من السفن التجارية لإطلاق نار في محيط الخليج.
ويعد هذا الهجوم هو الرابع الذي تنفذه الولايات المتحدة خلال أسبوع، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة العسكرية بين الجانبين.
تضارب حول إغلاق مضيق هرمز
زاد الغموض في الأسواق بعد تضارب التصريحات بشأن وضع الملاحة في مضيق هرمز، حيث أعلنت إيران أن المضيق سيظل مغلقًا “حتى إشعار آخر”، بينما نفت الولايات المتحدة ذلك، مؤكدة استمرار عملياتها لتأمين حرية الملاحة الدولية.
ورغم التصريحات الإيرانية، أكد مركز المعلومات البحرية المشترك أن الممر الجنوبي للملاحة، الذي يجري تنسيقه مع سلطنة عُمان، لا يزال متاحًا أمام السفن، وإن كانت حركة العبور تشهد تباطؤًا ملحوظًا نتيجة ارتفاع المخاطر الأمنية.
هرمز.. شريان الطاقة العالمي
يعد مضيق هرمز من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية ، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال.
وأدى تصاعد التوترات إلى تراجع حركة السفن بصورة كبيرة، مع لجوء العديد من شركات الشحن إلى إعادة تقييم مساراتها ورفع تكاليف التأمين على السفن العابرة للمنطقة، تحسبًا لأي تطورات عسكرية جديدة.
الغاز الطبيعي يلحق بالنفط
لم تقتصر تأثيرات التصعيد على سوق النفط فقط، بل امتدت إلى أسواق الغاز الطبيعي، حيث ارتفعت العقود الآجلة للغاز الأوروبي بنسبة وصلت إلى 2.7% خلال تعاملات اليوم، بعد مكاسب بلغت نحو 8% الأسبوع الماضي.
ويعكس هذا الارتفاع مخاوف الأسواق من احتمالات تأثر صادرات الغاز الطبيعي المسال القادمة من دول الخليج إذا استمرت التوترات العسكرية أو توسعت.
عودة علاوة الحرب للأسواق
كان التفاؤل قد عاد إلى الأسواق خلال الفترة الماضية بعد الحديث عن اتفاق مؤقت خفف من المخاوف بشأن الإمدادات النفطية، إلا أن تجدد العمليات العسكرية أعاد ما يعرف بـ”علاوة الحرب” إلى أسعار الخام.
ويؤكد محللو أسواق الطاقة أن المستثمرين عادوا لإضافة علاوة مخاطر إلى أسعار النفط تحسبًا لأي اضطرابات في الإنتاج أو النقل، خاصة في منطقة الخليج.
وكالة الطاقة الدولية تحذر
حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن استمرار التصعيد قد يعرقل جهود إعادة بناء المخزونات النفطية العالمية خلال النصف الثاني من العام، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على الطاقة.
وترى الوكالة أن أي تعطيل للإمدادات القادمة من الخليج ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
هل يصل النفط إلى 100 دولار؟
يرى عدد من خبراء الطاقة أن استمرار الضربات العسكرية سيبقي أسعار النفط في مسار صاعد، حتى إذا لم تتطور الأحداث إلى مواجهة شاملة.
وأشار كبير محللي الطاقة في شركة MST Marquee، سول كافونيك، إلى أن التصعيد الحالي لا يرقى إلى حرب واسعة، لكنه كافٍ لإبقاء أسعار النفط تحت ضغوط صعودية، متوقعًا استمرار الارتفاع التدريجي طالما استمرت العمليات العسكرية وازدادت المخاطر المرتبطة بالمرور عبر مضيق هرمز.
وأضاف أن السيناريو الأخطر يتمثل في استهداف منشآت النفط أو البنية التحتية للطاقة بصورة مباشرة، وهو ما قد يدفع أسعار الخام إلى تجاوز 100 دولار للبرميل.
تراجع فرص الحل الدبلوماسي
بالتزامن مع التصعيد العسكري، تراجعت فرص استئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران، حيث أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن بلاده لن تعود إلى طاولة التفاوض قبل تنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها السابقة المتعلقة بحرية تصدير النفط وعمليات العبور عبر مضيق هرمز.
وفي المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن وقف إطلاق النار لم يعد قائمًا، لكنه أكد في الوقت ذاته أن باب المفاوضات لا يزال مفتوحًا إذا توفرت الظروف المناسبة.
الأسواق تترقب
تبقى أسواق الطاقة العالمية رهينة للتطورات العسكرية في الخليج، إذ يراقب المستثمرون أي مؤشرات على اتساع رقعة المواجهات أو عودة المسار الدبلوماسي.
وفي ظل استمرار الضربات العسكرية، وارتفاع المخاطر التي تهدد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، يتوقع محللون أن تظل أسعار النفط والغاز شديدة التقلب خلال الفترة المقبلة، مع ارتباط اتجاهاتها بمستوى التصعيد العسكري ومدى تأثر حركة الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.


