يمر مشهد الطاقة العالمي اليوم بتحول عميق؛ فوفقًا للوكالة الدولية للطاقة (IEA)، من المتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي على الكهرباء بأكثر من الضعف بحلول عام 2050، مدفوعًا بالنمو الصناعي، والتوسع المتسارع للذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والتحول المتسارع نحو الاقتصاد الرقمي. وفي الوقت نفسه، دفعت التوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسواق الوقود، واضطرابات سلاسل الإمداد الحكومات في جميع أنحاء العالم إلى إعادة التفكير في استراتيجيات الطاقة الخاصة بها بحثًا عن مصادر كهرباء موثوقة، ومرنة، وطويلة الأجل.
وفي ظل هذه الخلفية، برزت الطاقة النووية مجددًا كعنصر استراتيجي في مزيج الطاقة العالمي؛ ليس فقط لكونها توفر كهرباء منخفضة الكربون، بل لأنها تمثل استثمارًا طويل الأجل في الاستقرار الاقتصادي، وأمن الطاقة، والنمو المستدام.
ويرى الدكتور مدحت نافع، مستشار التمويل والتنمية المستدامة والحوكمة، و: “إن التحدي الاقتصادي الرئيسي في مشروعات الطاقة النووية لا يكمن في تكلفة إنتاج الكهرباء نفسها، بل في تكلفة الاستثمار الأولي وآليات التمويل.”
ومع ذلك، يوضح الدكتور نافع أن هذه السمة لا ينبغي اعتبارها عيبًا، بل هي تعكس طبيعة استثمارات البنية الأساسية الاستراتيجية. فعندما يتوفر التمويل المناسب، وتُنفذ المشروعات وفق الجدول الزمني المخطط، توفر محطات الطاقة النووية كهرباء موثوقة ومنخفضة التكلفة لأكثر من ستين عامًا، مما يجعل عوائدها الاقتصادية طويلة الأجل تتجاوز بكثير تكاليف الإنشاء الأولية.
الطاقه النووية توفير حمل أساسي مستمر ومستقر للشبكة الكهربائية
كما يؤكد الدكتور نافع أن تقييم الطاقة النووية بمجرد النظر إلى تكلفة إنتاج الكيلووات/ساعة يقدم صورة غير مكتملة، إذ تكمن قيمتها الحقيقية في قدرتها على توفير حمل أساسي مستمر ومستقر للشبكة الكهربائية (Baseload Power)، مما يضمن استقرار الشبكة على مدار الساعة، بالتوازي مع تكاملها مع مصادر الطاقة المتجددة التي تتقلب إمداداتها بشكل طبيعي تبعًا للظروف الجوية. وبناءً على ذلك، يجب على سياسات الطاقة تقييم أداء مزيج الطاقة ككل، بدلاً من مقارنة كل مصدر على حدة بشكل معزول.
وهذا يفسر سبب عودة العديد من الدول إلى الطاقة النووية؛ حيث نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في دمج الطاقة النووية بنجاح كجزء من استراتيجيتها طويلة الأجل للتنويع الاقتصادي، في حين يُتوقع أن تلبي محطة “أكويو” للطاقة النووية في تركيا نحو 10% من طلب البلاد على الكهرباء. وعلى مستوى القارة الأفريقية، تتجه اقتصادات صاعدة تشمل غانا، وكينيا، ونيجيريا، ورواندا، وأوغندا بنشاط لاستكشاف الطاقة النووية كجزء من استراتيجياتها التنموية بعيدة المدى لدعم التصنيع وتلبية الطلب المتزايد بسرعة على الكهرباء.
محطة الضبعة أحد أهم استثماراتها الاستراتيجية في مجال الطاقة
بالنسبة لمصر، يمثل مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية أحد أهم استثماراتها الاستراتيجية في مجال الطاقة، ويُعد أحد أكبر مواقع الإنشاءات النووية في العالم، حيث يستوعب حاليًا أكثر من 20,000 عامل. وتتجاوز قيمته الاقتصادية مجرد توليد الكهرباء؛ فخلال مرحلة التشييد وحدها، من المتوقع أن يولد المشروع قيمة مضافة تتجاوز 5 مليارات دولار أمريكي للناتج المحلي الإجمالي لمصر، وهو ما يعادل نحو 1.5% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، وذلك من خلال زيادة الأنشطة في قطاعات التشييد، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، والخدمات الهندسية، وسلاسل الإمداد المحلية.
ومستقبلًا عند بدء التشغيل، ستعمل المحطة على تعزيز أمن الطاقة في مصر مع إتاحة توجيه حصة أكبر من موارد الهيدروكربونات نحو التصدير أو الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى، مما يقلل من التأثر بتقلبات أسواق الوقود الأحفوري العالمية.
ويشير الدكتور نافع في هذا الصدد إلى أن البنية الأساسية الموثوقة للطاقة تهيئ ظروفًا مواتية لجذب الاستثمار الصناعي، وتعزز القدرة التنافسية للاقتصاد، وتخفض تكاليف الإنتاج، وتدعم التوسع في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، ومراكز البيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وهي مكاسب يصعب قياسها بالكامل في دراسات الجدوى المالية التقليدية، لكنها تشكل جزءًا جوهريًا من العائد الاقتصادي والاجتماعي للمشروع.
ضمن هذا السياق، تتجاوز الشراكة بين هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء في مصر وشركة “روساتوم” مجرد تشييد محطة طاقة؛ لتكون شراكة استراتيجية طويلة الأجل تركز على نقل التكنولوجيا، وتبادل المعرفة، وبناء القدرات الوطنية. فإلى جانب أنشطة التشييد، يجري تدريب مئات الأخصائيين المصريين لتشغيل محطة الضبعة بحلول عام 2028 عبر برامج تدريبية شاملة تجمع بين التعليم الأكاديمي، والمحاكيات المتقدمة، والتدريب العملي في المحطات الروسية العاملة. كما يواصل الطلاب المصريون، منذ عام 2015، دراساتهم النووية المتخصصة في كبرى الجامعات الروسية، مما يساهم في بناء قاعدة مستدامة من الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة القطاع النووي المصري لعقود قادمة، وهو نهج متكامل يدعم زيادة المكون المحلي وتوطين المعرفة، ويصب مباشرة في تحقيق أهداف رؤية مصر 2030.
تؤكد التجارب الدولية أن أمن الطاقة لا يمكن أن يعتمد على مصدر واحد للكهرباء، بل يتوقف على تحقيق مزيج طاقة متوازن. ويقدم النموذج الألماني درسًا بليغًا في هذا الشأن: عقب كارثة فوكوشيما، قررت ألمانيا التخارج تدريجيًا من الطاقة النووية استنادًا إلى اعتبارات السلامة؛ إلا أن التطورات اللاحقة في أسواق الطاقة كشفت عن تكلفة اقتصادية واضحة تمثلت في زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري، وارتفاع الحساسية لتقلبات أسعار الكهرباء خلال أزمة الطاقة العالمية التي أعقبت الصراع الروسي الأوكراني.
والدرس المستفاد هنا ليس المفاضلة بين الطاقة النووية والطاقة المتجددة، بل إن أنظمة الطاقة المرنة والمقاومة للصدمات تتطلب تكاملًا وتناغمًا بين المصادر المختلفة لضمان الاستدامة والموثوقية معًا.
في نهاية المطاف، يعكس الاهتمام العالمي المتجدد بالطاقة النووية تحولاً عميقًا في كيفية رؤية الدول للطاقة؛ إذ لم تعد تُعامل مجرد سلعة أو وسيلة لتوليد الكهرباء، بل كركيزة استراتيجية للمرونة الاقتصادية، والقدرة التنافسية الصناعية، والتنمية المستدامة طويلة الأجل.
وبالنسبة لمصر، يجسد مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية هذه الرؤية تمامًا؛ فإلى جانب إنتاج كهرباء نظيفة وموثوقة، يساهم المشروع في بناء رأس المال البشري، وتدعيم الصناعة المحلية، ونقل التكنولوجيات المتقدمة، ووضع الأسس لاقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة، مما يرسخ مكانة مصر كمركز إقليمي صاعد للتكنولوجيا والخبرات النووية في أفريقيا والشرق الأوسط.


