تعيش مناطق واسعة في تونس وعدد من الولايات الجزائرية على وقع موجة حرائق غابات واسعة، تزامنًا مع ارتفاع قياسي في درجات الحرارة وهيمنة ما يُعرف بـ”القبة الحرارية” على طبقات الجو العليا، ما أدى إلى اشتعال النيران في مساحات كبيرة من الغطاء النباتي، وسط حالة استنفار قصوى من فرق الحماية المدنية والجهات المعنية للسيطرة على ألسنة اللهب والحد من الخسائر.
وتأتي هذه الحرائق في ظل ظروف مناخية بالغة الصعوبة، حيث تجاوزت درجات الحرارة حاجز الـ50 درجة مئوية في بعض المناطق، الأمر الذي تسبب في جفاف شديد للنباتات وسهّل اندلاع الحرائق وانتشارها بسرعة كبيرة، خاصة مع نشاط الرياح التي لعبت دورًا رئيسيًا في نقل النيران من منطقة إلى أخرى، ما صعّب من جهود فرق الإطفاء.
القبة الحرارية تزيد مخاطر الحرائق
ويرجع خبراء الأرصاد جزءًا كبيرًا من أسباب هذه الموجة الحارة إلى ظاهرة “القبة الحرارية”، وهي حالة جوية تتسبب في احتجاز الهواء الساخن بالقرب من سطح الأرض لفترات طويلة، نتيجة وجود ضغط جوي مرتفع يعمل على حبس الحرارة ومنع صعود الهواء الساخن إلى طبقات الجو العليا.
وتؤدي هذه الظاهرة إلى ارتفاع غير معتاد في درجات الحرارة، وزيادة معدلات الجفاف، ما يجعل الغابات والمناطق الزراعية أكثر عرضة للاشتعال، خاصة خلال فصل الصيف الذي يشهد عادة ارتفاعًا في مخاطر اندلاع حرائق الغابات بمنطقة شمال أفريقيا والبحر المتوسط.
حرائق واسعة في تونس وسط استنفار رسمي
وفي تونس، تسببت موجة الحر الشديدة في اندلاع حرائق بعدد من المناطق الغابية، حيث سارعت فرق الحماية المدنية والغابات إلى التدخل لمحاصرة النيران ومنع امتدادها إلى المناطق السكنية.
وتواجه فرق الإطفاء تحديات كبيرة بسبب طبيعة التضاريس الجبلية وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق المشتعلة، بالإضافة إلى سرعة انتشار النيران بفعل الرياح وارتفاع درجات الحرارة التي تزيد من اشتعال الأشجار والنباتات الجافة.
كما تم الدفع بآليات إطفاء إضافية وفرق متخصصة للمشاركة في عمليات السيطرة على الحرائق، مع استمرار عمليات المراقبة الجوية لرصد بؤر الاشتعال والتعامل معها قبل توسعها.
الجزائر تواجه حرائق الغابات في عدة ولايات
وفي الجزائر، شهدت عدة ولايات اندلاع حرائق غابات تسببت في خسائر مادية وبشرية، حيث استنفرت السلطات فرق الحماية المدنية والحرس الغابي للتعامل مع النيران ومحاولة تطويقها.
وتعد الجزائر من أكثر دول منطقة المتوسط تعرضًا لحرائق الغابات خلال فصل الصيف، بسبب اتساع المساحات الغابية وارتفاع درجات الحرارة، إضافة إلى موجات الجفاف التي تؤثر على حالة الغطاء النباتي.
وتعمل فرق التدخل على إخماد الحرائق باستخدام طائرات الإطفاء والمروحيات المتخصصة، إلى جانب تعزيز فرق الإنقاذ البرية، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة غابية أو قرب تجمعات سكانية.
ضحايا واختناقات بسبب الكارثة
ولم تقتصر تداعيات الحرائق على الخسائر البيئية فقط، بل امتدت إلى الجانب الإنساني، حيث أسفرت النيران عن سقوط عدد من الضحايا والوفيات، إضافة إلى إصابة آخرين بحالات اختناق نتيجة تصاعد الدخان الكثيف.
وتسببت الحرائق في حالة من القلق بين السكان، خاصة القاطنين بالقرب من المناطق الغابية، حيث اضطرت بعض الأسر إلى مغادرة منازلها بشكل مؤقت في بعض المناطق حفاظًا على سلامتهم، مع استمرار عمليات الإخلاء الاحترازية عند الحاجة.
تغير المناخ يزيد من خطورة الظاهرة
ويرى خبراء البيئة والمناخ أن تكرار موجات الحر الشديدة وارتفاع درجات الحرارة القياسية أصبح مؤشرًا واضحًا على تأثيرات التغيرات المناخية، التي تزيد من احتمالات اندلاع حرائق الغابات واتساع نطاقها.
وتشهد منطقة البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في درجات الحرارة، مع زيادة فترات الجفاف وانخفاض معدلات الأمطار، وهي عوامل تجعل الغابات أكثر هشاشة أمام أي مصدر للاشتعال، سواء كان طبيعيًا أو نتيجة أخطاء بشرية.
ويؤكد المختصون أن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى خطط طويلة المدى تشمل تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وزيادة مراقبة المناطق الغابية، وتوفير تجهيزات حديثة لفرق الإطفاء، إلى جانب تعزيز التوعية بخطورة إشعال النيران أو ترك مخلفات قابلة للاشتعال في المناطق الطبيعية.
استمرار حالة الطوارئ لمواجهة النيران
وتواصل السلطات في تونس والجزائر جهودها للسيطرة على الحرائق ومنع توسعها، وسط متابعة مستمرة لتطورات الأوضاع الجوية، خاصة مع استمرار موجة الحر التي تزيد من صعوبة المهمة.
وتبقى حرائق الغابات الحالية جرس إنذار جديدًا بشأن تأثيرات الظواهر المناخية المتطرفة، التي أصبحت تهدد العديد من دول العالم، وتفرض ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة آثار ارتفاع درجات الحرارة وحماية الثروات الطبيعية والأرواح البشرية.


