قال الدكتور طارق عبد العزيز، خبير الصراعات النووية، إن الحروب الحديثة لم تعد مجرد صراع عسكري تقليدي يقتصر تأثيره على الخسائر البشرية أو الدمار المادي، بل أصبحت تمثل تهديدًا مركبًا يمتد إلى البيئة والمناخ والصحة العامة، مشيرًا إلى أن القصف الصاروخي على إيران يُعد نموذجًا واضحًا لما يمكن أن تخلفه العمليات العسكرية من آثار بيئية واسعة النطاق، خاصة في ظل استهداف منشآت صناعية ونفطية أو مناطق قريبة من مواقع حساسة ذات طبيعة استراتيجية.
القصف الصاروخي يضاعف الانبعاثات ويهدد المناخ العالمي
وأوضح أن كل ضربة صاروخية تؤدي إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات الدفيئة نتيجة احتراق الوقود سواء داخل الصواريخ نفسها أو في المنشآت المستهدفة، لافتًا إلى أن استهداف مصافي النفط أو خزانات الوقود يتسبب في حرائق ضخمة قد تستمر لساعات أو أيام، مطلقة آلاف الأطنان من غاز ثاني أكسيد الكربون في فترة زمنية قصيرة للغاية.
وأضاف أن قصف منشأة نفطية واحدة يمكن أن ينتج عنه ما بين 5 آلاف إلى 20 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون خلال ساعات، إلى جانب غازات أكثر خطورة مثل الميثان، الذي يعد أكثر تأثيرًا من ثاني أكسيد الكربون في حبس الحرارة، بالإضافة إلى أكاسيد النيتروجين والكبريت التي تسهم في تكوين الأمطار الحمضية.
وأشار إلى أنه في حال اندلاع حرائق واسعة في حقول النفط، قد تتضاعف هذه الأرقام لتصل إلى عشرات الآلاف من الأطنان يوميًا، وهو ما يعادل الانبعاثات اليومية لدولة صغيرة، مما يضيف عبئًا جديدًا على أزمة التغير المناخي العالمي.
وأكد أن الآثار لا تقتصر على الغازات الدفيئة فقط، بل تمتد إلى إطلاق كميات هائلة من الجسيمات الدقيقة PM2.5 وPM10، وهي مواد عالقة في الهواء مثل التراب والدخان ومواد كيميائية دقيقة للغاية، قادرة على التغلغل في الجهاز التنفسي والتسبب في أمراض خطيرة مثل الربو والتهابات الرئة وأمراض القلب.
وتزداد خطورة هذه الجسيمات عند احتراق مواد كيميائية أو نفطية، حيث تحمل مركبات سامة مثل البنزين والهيدروكربونات متعددة الحلقات، المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بالسرطان.
تلوث الهواء والمياه خطر صامت يمتد إلى دول الجوار
وأشار إلى أن الرياح قد تنقل هذه الملوثات لمسافات طويلة، ما يعني أن التأثير لا يقتصر على إيران وحدها، بل قد يمتد إلى دول الجوار في منطقة الخليج والشرق الأوسط، مما يحول الأزمة إلى تهديد إقليمي مشترك.
وفيما يتعلق بالتأثيرات طويلة الأمد، أوضح أن تسرب النفط والمواد الكيميائية نتيجة القصف يُعد من أخطر الآثار البيئية، حيث تتسرب هذه المواد إلى التربة فتفسد خصوبتها وتؤدي إلى تدهور الأراضي الزراعية، وهو ما ينعكس سلبًا على الإنتاج الغذائي.
كما أن وصول هذه الملوثات إلى المياه الجوفية أو الأنهار يؤدي إلى تلوث مصادر الشرب، مما يشكل خطرًا مباشرًا على صحة السكان، خاصة في المناطق الريفية التي تعتمد على هذه الموارد بشكل أساسي.
وأضاف أن الثروة الحيوانية تتأثر بشكل كبير سواء من خلال شرب المياه الملوثة أو تناول نباتات ملوثة، ما يؤدي إلى خسائر اقتصادية وغذائية جسيمة.
شبح الإشعاع النووي.. كارثة محتملة تتجاوز الحدود لعقود
وحذر من المخاطر الإشعاعية في حال استهداف المنشآت النووية، موضحًا أن استهداف هذه المنشآت أو المناطق القريبة منها قد يؤدي إلى تسرب مواد مشعة إلى البيئة، وهو سيناريو كارثي قد تتجاوز آثاره الحدود الجغرافية ويستمر لعقود.
وأكد أن التسرب الإشعاعي لا يؤثر فقط على الهواء، بل يمتد إلى التربة والمياه، ما يجعل بعض المناطق غير صالحة للعيش لفترات طويلة، فضلًا عن زيادة معدلات الإصابة بالسرطان والتشوهات الجينية.
وأشار إلى أن التعامل مع مثل هذه الكوارث يتطلب إمكانيات تقنية هائلة، وقد يستغرق احتواؤها سنوات، كما حدث في حوادث نووية سابقة.
وأوضح أن الحروب لا تدمر المدن فقط، بل تقضي أيضًا على النظم البيئية، حيث يؤدي القصف والحرائق إلى تدمير البيئات الطبيعية ودفع الكائنات الحية إلى الهجرة أو الموت، كما يؤثر التلوث الناتج عن المواد الكيميائية والنفطية على الكائنات البحرية في حال وصوله إلى المسطحات المائية، ما يهدد سلاسل الغذاء ويؤدي إلى اختلال التوازن البيئي. وفي مناطق مثل إيران التي تضم تنوعًا بيئيًا مهمًا، قد يؤدي هذا التدمير إلى فقدان أنواع نادرة من النباتات والحيوانات.
وأكد أن التأثير البيئي لا يمكن فصله عن التأثير الصحي، حيث يؤدي ارتفاع معدلات التلوث إلى زيادة الأمراض التنفسية والجلدية، فضلًا عن أمراض مزمنة قد تستمر لسنوات.
كما أن تلوث المياه والغذاء يرفع من معدلات التسمم والأمراض المعدية، خاصة في ظل تدهور البنية التحتية الصحية نتيجة الحرب، مشيرًا إلى أن الأطفال وكبار السن يتحملون العبء الأكبر من هذه الآثار، ما يجعل الأزمة البيئية أزمة إنسانية في المقام الأول.
وأوضح أن إعادة تأهيل البيئة بعد الحروب تعد عملية معقدة ومكلفة للغاية، حيث تتطلب عمليات تنظيف التربة الملوثة، وإعادة تأهيل مصادر المياه، وإطفاء الحرائق، وإزالة الأنقاض، مليارات الدولارات، إضافة إلى الخسائر غير المباشرة مثل تراجع الإنتاج الزراعي وتدهور الصحة العامة، التي تمثل أعباء اقتصادية إضافية قد تعيق التعافي لسنوات طويلة.
واختتم خبير الصراعات النووية تصريحاته بالتأكيد على أن الحروب تمثل عاملًا معطلًا للجهود الدولية لمكافحة التغير المناخي، إذ إن الانبعاثات الناتجة عن العمليات العسكرية غالبًا لا تُدرج بدقة في الحسابات الدولية رغم تأثيرها الكبير، مشيرًا إلى أن استمرار النزاعات المسلحة، مثل القصف الصاروخي، يساهم بشكل غير مباشر في تسريع ظاهرة الاحتباس الحراري، ما يجعل الحرب ليست فقط أزمة سياسية، بل أزمة بيئية عالمية.


