لم تعد الشيخوخة مجرد مرحلة عمرية ترتبط بالتراجع أو العزلة، بل أصبحت محورًا مهمًا في النقاشات المجتمعية والتنموية، خاصة مع تصاعد الاهتمام بمفهوم “الشيخوخة الصحية” وضرورة دمج كبار السن كأفراد فاعلين في المجتمع.
هذا التحول لم يعد نظريًا، بل تدعمه مبادرات وتجارب عملية تسعى إلى تغيير الصورة النمطية، وفتح مساحات جديدة للحياة والمشاركة.
وفي هذا السياق، تبرز دينا حشيش، خبيرة سياسات الشيخوخة الصحية وصاحبة خبرة ممتدة في مجال حوكمة الشركات، حيث تم اختيارها ضمن قائمة 50 قائدًا عالميًا لقيادة «عقد الأمم المتحدة للشيخوخة الصحية» من قبل منظمة الصحة العالمية، لتكون الممثلة الوحيدة عن الشرق الأوسط ، كما أسست مبادرة «جولدن ييرز» التي تعمل على تحسين جودة حياة كبار السن وتعزيز اندماجهم المجتمعي في مصر.
وفي حوارها ل “مداف” تتحدث دينا حشيش عن رؤيتها لإعادة تعريف الشيخوخة، والتحديات التي واجهتها، ودور السياسات والتكنولوجيا في دعم كبار السن:
كيف ترين إعادة تعريف مرحلة الشيخوخة في المجتمعات العربية لتصبح مليئة بالحيوية والاستقلالية بدلاً من العزلة؟
إعادة تعريف الشيخوخة تبدأ بتغيير السردية السائدة؛ من مرحلة يُنظر إليها على أنها انسحاب تدريجي من الحياة، إلى مرحلة مليئة بالفرص للنمو، والمشاركة، والتأثير. في المجتمعات العربية، لدينا رصيد قوي من القيم المرتبطة بالترابط الأسري والاحترام، لكننا بحاجة إلى ترجمة هذه القيم إلى ممارسات فعلية تعزز استقلالية كبار السن واندماجهم.
هذا يتطلب توفير مساحات آمنة للمشاركة، وأنشطة تعزز التفاعل، وفرصًا للتعلم المستمر، بالإضافة إلى إشراك كبار السن أنفسهم في تصميم الحلول.
عندما يُمنح كبار السن الفرصة ليكونوا فاعلين، تتغير نظرة المجتمع لهم تلقائيًا، ويبدأون هم أيضًا في رؤية أنفسهم بطريقة مختلفة.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه التكنولوجيا في تحسين جودة حياة كبار السن في مصر والمنطقة؟
التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة تمكين قوية لكبار السن إذا تم استخدامها بشكل شامل ومبسط ،فهي تتيح لهم الوصول إلى الخدمات الصحية، والبقاء على تواصل مع أسرهم، والمشاركة في مجتمعات رقمية تقلل من الشعور بالعزلة.
لكن الأهم هو سد الفجوة الرقمية من خلال تدريب كبار السن على استخدام هذه الأدوات بثقة، وتصميم حلول تراعي احتياجاتهم ، كما يمكن للتكنولوجيا أن تدعم مقدمي الرعاية من خلال توفير معلومات موثوقة، وشبكات دعم، وأدوات تسهّل عملية الرعاية.
عندما تُستخدم التكنولوجيا بشكل صحيح، فهي لا تحسّن فقط جودة الحياة، بل تعيد دمج كبار السن في المجتمع كأفراد فاعلين ومتصلين.
ما أبرز التحديات التي واجهتك أثناء تأسيس وتطوير مبادرة «جولدن ييرز» لكبار السن؟
أحد أكبر التحديات كان تغيير الصورة الذهنية الراسخة عن الشيخوخة، والتي غالبًا ما ترتبط بالاعتماد والانعزال , كما واجهنا صعوبة في إقناع البعض بأهمية البعد الاجتماعي والنفسي، وليس فقط الطبي، في تحسين جودة حياة كبار السن ، إلى جانب ذلك، كان بناء الثقة مع المجتمع أمرًا أساسيًا، خاصة في المراحل الأولى، وكذلك تأمين الموارد وبناء شراكات استراتيجية تتيح لنا التوسع والوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين. ومع الوقت، أصبح واضحًا أن العمل التعاوني مع مختلف الأطراف هو مفتاح النجاح والاستدامة.
كيف يمكن دمج خبرتك في القانون وحوكمة الشركات مع السياسات العامة لتعزيز الرعاية المستدامة لكبار السن؟
خبرتي في القانون وحوكمة الشركات ساعدتني على النظر إلى ملف الشيخوخة من منظور مؤسسي واستراتيجي، قائم على الاستدامة والشفافية والتكامل بين الأطراف المختلفة ، يمكن ترجمة ذلك إلى سياسات عامة من خلال وضع أطر تنظيمية واضحة لرعاية كبار السن، وتحديد معايير جودة للخدمات، وتعزيز المساءلة ، كما يمكن دمج مبادئ الحوكمة في تصميم شراكات فعالة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يضمن استدامة التمويل وكفاءة التنفيذ ، هذا النهج يساعد على الانتقال من مبادرات فردية إلى منظومة متكاملة قادرة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة لكبار السن بشكل طويل الأمد.
وفي سياق الجهود العملية على الأرض، نظمت مؤسسة «جولدن ييرز» فعالية رياضية تُعد من أكبر الفعاليات الداعمة لكبار السن في مصر ، ويعد هذا الرالي الحدث الأكبر من نوعه في مصر، حيث يهدف إلى تعزيز الصحة البدنية ونشر ثقافة الحياة النشطة ودعم الاندماج المجتمعي لكبار السن.
ويشهد الرالي هذا العام مشاركة واسعة تتخطى 3500 مشارك من كبار السن وعائلاتهم، بالإضافة إلى حضور بارز لعدد من الشخصيات العامة والإعلاميين وشركاء التنمية والشركات المهتمة بالمسؤولية المجتمعية.
وتأتي هذه الفعالية في إطار رؤية المؤسسة الرامية إلى تحسين جودة حياة كبار السن وتوفير بيئة محفزة تساعدهم على الشعور بالانتماء من خلال أنشطة رياضية واجتماعية متميزة ، ومن المتوقع أن تسهم مثل هذه الفعاليات في تسليط الضوء على قضايا كبار السن وإبراز دورهم الفاعل داخل المجتمع، بما يعكس تحولًا تدريجيًا في النظرة إلى هذه المرحلة العمرية.
وفي وقت تتغير فيه ملامح المجتمعات سريعًا، تبقى كيفية التعامل مع كبار السن مؤشرًا حقيقيًا على وعي المجتمع ونضجه؛ فإما أن تظل الشيخوخة مرحلة هامشية، أو تتحول إلى مساحة جديدة للحياه ، أكثر خبرة، وأكثر إنسانية.


