في ظل إعلان تحقيق وفر في استهلاك الكهرباء يُقدّر بنحو 18 ألف ميجاوات ساعة خلال أسبوع واحد نتيجة إجراءات شملت تقليص ساعات عمل المحال التجارية، يطرح أستاذ نظم القوى الكهربية أ.د. أمجد الوكيل تساؤلًا محوريًا حول جدوى هذا النهج، مؤكدًا أن التركيز على “الترشيد الإداري” قد لا يكون المسار الأمثل لإدارة منظومة الطاقة في مصر، خاصة في ظل وجود بدائل أكثر كفاءة وتأثيرًا على المدى الطويل.
قراءة رقمية تكشف محدودية أثر الترشيد الحالي
أوضح الوكيل أن قراءة رقم الوفر المُعلن في سياقه السنوي تكشف محدودية تأثيره، إذ لا يتجاوز 0.5% من إجمالي استهلاك الكهرباء في مصر، الذي يزيد على 210 مليار كيلووات ساعة سنويًا. في المقابل، تشير التقديرات إلى أن الفقد الكهربي، سواء الفني أو التجاري، يتراوح بين 15% و20%، ما يكشف عن فجوة كبيرة في كفاءة المنظومة.
وأشار إلى أن خفض الفقد بنسبة 1% فقط يعادل أكثر من ضعفي الوفر الناتج عن إجراءات الترشيد الحالية، مؤكدًا أن التركيز على تقليل استهلاك المستخدم النهائي، رغم محدودية أثره، يأتي في وقت تفقد فيه الشبكة نحو خُمس طاقتها.
لا عجز في الإنتاج.. بل تحديات في تكلفة التشغيل والوقود
وفي سياق متصل، شدد على أن مصر لا تعاني من نقص في القدرات الكهربائية المركبة، بل تمتلك فائضًا يتجاوز أقصى الأحمال، ما يعني أن الهدف من إجراءات الترشيد الحالية لا يرتبط بسد عجز في الإنتاج، وإنما بخفض استهلاك الوقود الأحفوري وتقليل تكلفة التشغيل والضغط على النقد الأجنبي.
وتساءل الوكيل عن مدى كفاءة الإغلاق المبكر للمحال التجارية كأداة لتحقيق هذه الأهداف، مشيرًا إلى ضرورة التفرقة بين “الترشيد الحقيقي” الذي يستهدف تقليل الهدر مع الحفاظ على الإنتاجية، و”تقليص النشاط” الذي يؤدي إلى خفض الاستهلاك عبر تقليص ساعات العمل، بما يحمله ذلك من آثار اقتصادية سلبية.
وأكد أن النمط الحالي يميل إلى تقليص النشاط، وهو ما قد ينعكس على حجم المبيعات، ويؤثر على العمالة اليومية، ويؤدي إلى تراجع في قطاع الخدمات، لافتًا إلى أن الخسائر الاقتصادية الناتجة قد تتجاوز قيمة الوقود الذي تم توفيره.
إدارة الطلب وكفاءة الشبكات.. الحل الحقيقي لتقليل الهدر
كما تناول مفهوم خفض أحمال الذروة، موضحًا أن الأدوات الحديثة في إدارة الطلب، مثل تطبيق تعريفة حسب وقت الاستخدام، تتيح للمستهلكين تعديل أنماط استهلاكهم بشكل اختياري، بما يحقق كفاءة أعلى دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي.
وأشار إلى أن المعالجة الحقيقية تكمن داخل المنظومة، عبر خفض الفقد الفني من خلال تحديث شبكات التوزيع وتحسين معامل القدرة، ومكافحة الفقد التجاري بالتصدي لسرقات التيار، إلى جانب التوسع في التحول الرقمي من خلال العدادات والشبكات الذكية التي تتيح المراقبة اللحظية.
واختتم الوكيل بالتأكيد على أن ترشيد الطاقة يظل هدفًا وطنيًا مهمًا، لكنه يجب أن يتحقق عبر رفع كفاءة المنظومة وإدارة الطلب بذكاء، مع مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، مشددًا على أن الطاقة ليست مجرد أرقام، بل تمثل ركيزة أساسية للإنتاج ومحركًا رئيسيًا للتنمية.



