تشهد الساحة التشريعية في مصر حراكًا ملحوظًا مع استمرار مناقشات مشروع قانون الأسرة الجديد 2026 داخل البرلمان، حيث يتصدر ملف الحضانة وسن انتهائها قائمة القضايا الأكثر إثارة للجدل، في ظل مساعي الدولة لإصدار قانون عصري يواكب المتغيرات الاجتماعية ويحقق التوازن بين حقوق جميع أطراف الأسرة، مع الحفاظ على المصلحة الفضلى للطفل باعتبارها الأساس الحاكم لكل المواد.
ويأتي هذا المشروع في توقيت بالغ الأهمية، خاصة مع تزايد النزاعات الأسرية المرتبطة بالحضانة والرؤية، وهو ما دفع العديد من النواب إلى المطالبة بإعادة النظر في بعض البنود التقليدية، وتقديم حلول أكثر مرونة وعدالة، تستند إلى الواقع العملي وليس فقط النصوص الجامدة.
شروط الحضانة في قانون الأسرة الجديد 2026
يركز مشروع القانون على إعادة ضبط شروط الحضانة بشكل أكثر دقة، بما يضمن توفير بيئة صحية وآمنة للطفل، بعيدًا عن أي عوامل قد تؤثر سلبًا على تنشئته. وتشير المسودة الأولية إلى ضرورة توافر عدد من الشروط الأساسية في الحاضن، أبرزها أن يكون بالغًا عاقلًا، حسن السيرة والسلوك، وقادرًا على تحمل مسؤوليات التربية من الناحية النفسية والاجتماعية.
كما يشترط القانون أن يكون الحاضن خاليًا من أي سوابق جنائية أو سلوكيات تمثل خطرًا على الطفل، مع ضرورة إثبات القدرة على توفير بيئة معيشية مستقرة، سواء من حيث السكن أو الرعاية اليومية. ويؤكد المشروع أيضًا على أهمية الجانب النفسي، بحيث لا يكون الحاضن يعاني من اضطرابات قد تؤثر على الطفل.
وتتضمن التعديلات المقترحة كذلك إعادة ترتيب أولوية الحضانة، مع فتح الباب أمام توسيع دائرة المستحقين لها في حالات معينة، بما يمنح القاضي مرونة أكبر في اختيار الأنسب لرعاية الطفل، وفقًا لكل حالة على حدة.
سن انتهاء الحضانة.. بين التثبيت والتعديل
يمثل سن انتهاء الحضانة أحد أبرز محاور النقاش داخل البرلمان، حيث تتباين الآراء بين الإبقاء على الوضع الحالي أو إدخال تعديلات جديدة تراعي احتياجات الطفل في كل مرحلة عمرية.
وتدور المناقشات حول إمكانية منح القاضي سلطة تقديرية لتحديد استمرار الحضانة بعد السن المحدد، إذا ثبت أن مصلحة الطفل تقتضي ذلك، بدلًا من الالتزام بسن ثابت قد لا يكون مناسبًا لجميع الحالات. كما يتم بحث مقترح يتيح للطفل، عند بلوغه سنًا معينًا، اختيار الإقامة مع الأب أو الأم، وهو ما يثير جدلًا واسعًا بين المؤيدين والمعارضين.
ويرى مؤيدو هذا الاتجاه أن إعطاء الطفل حق الاختيار يعزز من شعوره بالاستقلالية، بينما يحذر آخرون من أن ذلك قد يضعه تحت ضغوط نفسية أو يؤثر على استقراره العاطفي، خاصة في حالات الخلاف الحاد بين الأبوين.
الرؤية والاستضافة.. ملفات مكملة للحضانة
لا تقتصر التعديلات على الحضانة فقط، بل تمتد لتشمل تنظيم حق الرؤية والاستضافة، باعتبارهما عنصرين أساسيين في الحفاظ على العلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن. ويطالب عدد من النواب بتوسيع نطاق الاستضافة لتكون بديلًا أكثر فعالية من الرؤية التقليدية، بما يتيح للأب أو الأم غير الحاضن قضاء وقت أطول مع الطفل.
وفي المقابل، يشدد آخرون على ضرورة وضع ضوابط صارمة للاستضافة، لضمان عدم استغلالها بشكل يضر بالطفل أو يؤثر على استقراره، خاصة في ظل وجود حالات نزاع حادة بين الطرفين.
جدل برلماني ورؤى متباينة
تعكس المناقشات داخل البرلمان حالة من التباين في وجهات النظر، حيث يسعى كل طرف إلى الدفاع عن رؤية يراها الأقرب لتحقيق العدالة. فبينما يركز بعض النواب على ضرورة تعزيز حقوق الأم باعتبارها الحاضن الأساسي في أغلب الحالات، يطالب آخرون بإنصاف الأب ومنحه دورًا أكبر في حياة أبنائه.
وأكد عدد من أعضاء البرلمان أن الهدف النهائي من القانون ليس الانحياز لطرف على حساب آخر، بل تحقيق توازن حقيقي يضمن استقرار الأسرة بعد الانفصال، ويقلل من الآثار السلبية على الأطفال.
نحو قانون يواكب الواقع
في ضوء هذه المناقشات، تتجه الدولة إلى صياغة قانون أكثر مرونة، يمنح القاضي مساحة أوسع للتعامل مع كل حالة وفق ظروفها الخاصة، بدلًا من الاعتماد على قواعد عامة قد لا تحقق العدالة في جميع الحالات.
ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة مزيدًا من جلسات الحوار المجتمعي، بمشاركة خبراء قانونيين ومتخصصين في علم النفس والاجتماع، للوصول إلى صيغة نهائية تعكس احتياجات المجتمع وتواكب تطوراته.
ويبقى الأمل معقودًا على أن يسهم قانون الأسرة الجديد 2026 في إحداث نقلة نوعية في تنظيم العلاقات الأسرية داخل مصر، وأن ينجح في تقليل النزاعات وتحقيق بيئة أكثر استقرارًا للأطفال، باعتبارهم الركيزة الأساسية لمستقبل المجتمع.


