في قراءة تحليلية لواقع الاقتصاد العالمي، أكدت الدكتورة رانيا الجندي، الخبيرة الاقتصادية، أن ما تشهده الأسواق الدولية حاليًا يتجاوز كونه موجة تقليدية من ارتفاع الأسعار، ليعكس تحولًا هيكليًا أعمق في ديناميكيات الاقتصاد العالمي، حيث أصبح النفط المحرك الرئيسي لتوجهات الأسواق.
وأوضحت أن أسعار النفط لم تعد مجرد مؤشر مالي يُتابع عبر شاشات التداول، بل تحولت إلى عنصر ضغط مباشر يؤثر على مختلف مفاصل الاقتصاد، بدءًا من تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، مرورًا بأسعار الغذاء، ووصولًا إلى الأعباء اليومية التي يتحملها المواطن.
النفط.. المحرك الخفي للتضخم العالمي
أشارت الجندي إلى أن موجة ارتفاع النفط الحالية تفرض ضغوطًا تضخمية واسعة النطاق، نظرًا لدخوله في تسعير غالبية السلع والخدمات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تكلفة المعيشة، ويزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي عالميًا.
وأضافت أن هذا التأثير لا يقتصر على أسواق الطاقة، بل يمتد تدريجيًا إلى الاقتصاد الحقيقي، حيث ترتفع تكاليف الإنتاج والشحن، ما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار المنتجات النهائية في الأسواق.
الذهب يفقد بريقه مؤقتًا
وفي سياق متصل، لفتت إلى أن تحركات الذهب خلال الأزمة الحالية جاءت على غير المتوقع، إذ لم يشهد الارتفاع القوي المعتاد في أوقات التوترات الاقتصادية، رغم كونه أحد أبرز الملاذات الآمنة.
وأرجعت ذلك إلى استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع النفط، ما دفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي عزز من قوة الدولار وزاد من جاذبيته الاستثمارية، وهو ما انعكس سلبًا على أداء الذهب مؤقتًا.
مضيق هرمز.. نقطة الاختناق العالمية
وشددت الخبيرة الاقتصادية على أن التحدي الأكبر في الأزمة الحالية لا يرتبط بحجم الإنتاج النفطي بقدر ما يرتبط بمسارات الإمداد، مؤكدة أن “الأزمة في الطريق وليست في الإنتاج”.
وأوضحت أن مضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا لإمدادات الطاقة العالمية، حيث يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا، في حين تظل البدائل المتاحة محدودة وغير قادرة على تعويض أي اضطراب محتمل في هذا الممر الاستراتيجي.
من البحر إلى المستهلك.. انتقال سريع للأزمة
وأضافت أن أي خلل في حركة الملاحة داخل الممرات البحرية الحيوية ينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، وبالتالي زيادة أسعار السلع والخدمات.
وأكدت أن تأثير هذه الاضطرابات لا يبقى حبيس أسواق الطاقة، بل يصل سريعًا إلى المستهلك، حيث يظهر في صورة زيادات ملموسة في فواتير الشراء اليومية، خاصة مع اعتماد الأسواق العالمية على منظومة نقل مترابطة ومعقدة.
مرحلة اقتصادية جديدة بقيادة النفط
واختتمت الجندي بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة مختلفة، يتصدر فيها النفط قيادة حركة الأسواق، في مقابل استمرار قوة الدولار وتأثيره الضاغط على الأصول الأخرى، وعلى رأسها الذهب.
وأشارت إلى أن فهم العلاقة المتشابكة بين النفط والدولار والذهب، إلى جانب أهمية الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، أصبح أمرًا ضروريًا لصناع القرار والمستثمرين، في ظل بيئة عالمية تتسم بارتفاع المخاطر وتسارع التغيرات الاقتصادية.


