في إطار توجه الدولة المصرية نحو تعزيز الأمن الصحي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، نجحت مصر، بالتعاون مع شركاء النجاح من القطاع الخاص، في الوصول إلى نسبة توطين غير مسبوقة بلغت 91% من الاحتياجات الدوائية بحلول مايو 2026، وهو ما يمثل نقلة نوعية في مسار بناء صناعة دواء وطنية قوية ومستدامة.
ويأتي هذا الإنجاز في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات متلاحقة في سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاعًا في تكاليف النقل والإنتاج، ما جعل العديد من الدول تعاني من نقص في الأدوية الأساسية. إلا أن التجربة المصرية أثبتت قدرتها على التعامل مع هذه التحديات عبر تعزيز الإنتاج المحلي وتوسيع قاعدة التصنيع الدوائي.
منظومة صحية أكثر استقرارًا داخل هيئة الرعاية الصحية
أظهرت البيانات الصادرة عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أن معدل توافر الأدوية والمستلزمات الطبية داخل هيئة الرعاية الصحية بلغ 91% رغم الظروف العالمية الصعبة، وهو ما يعكس قوة البنية المؤسسية وقدرة الدولة على الحفاظ على استقرار منظومة الإمداد الطبي.
وتعتمد الهيئة سنويًا على أكثر من 3800 صنف دوائي، بالإضافة إلى 14 ألف صنف من المستلزمات الطبية، يتم توفيرها وفق خطط دقيقة لضمان استمرارية الخدمة الصحية دون انقطاع، مع العمل على تقليل الفجوات في سلاسل التوريد تدريجيًا.
توطين الأدوية الحيوية والاستراتيجية
ضمن خطة شاملة لتعزيز الأمن الدوائي، تستهدف الدولة توطين 98 صنفًا من الأدوية المنقذة للحياة، إلى جانب 128 صنفًا من المستلزمات الطبية الاستراتيجية، وذلك بالتعاون بين القطاعين الحكومي والخاص، بهدف ضمان توافر هذه المنتجات الحيوية محليًا دون الاعتماد على الاستيراد الخارجي.
ويُعد هذا التوجه خطوة بالغة الأهمية في حماية المنظومة الصحية من أي اضطرابات مستقبلية قد تؤثر على توافر الأدوية الأساسية، خاصة في أوقات الأزمات العالمية.
توسع صناعي يعزز قوة مصر الدوائية
شهدت الصناعة الدوائية في مصر طفرة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد المصانع إلى 183 مصنعًا، بنسبة نمو بلغت 40%، تضم أكثر من 1000 خط إنتاج يعمل على مدار الساعة لدعم احتياجات السوق المحلي والتصدير.
ويمثل هذا التوسع الصناعي قاعدة قوية لدعم استراتيجية الدولة في التوطين، حيث لم يعد الاعتماد فقط على الاستيراد، بل أصبح الإنتاج المحلي عنصرًا رئيسيًا في تلبية الطلب المتزايد على الأدوية والمستلزمات الطبية.
مكاسب اقتصادية مباشرة وتخفيف الضغط على الدولار
أسهمت جهود توطين الصناعة الدوائية في تحقيق وفر مالي كبير، حيث تمكنت الدولة من توفير نحو 691 مليون دولار خلال عام 2025 فقط، نتيجة توطين 234 مستحضرًا طبيًا.
ويعكس هذا الرقم أهمية التوطين ليس فقط من الناحية الصحية، ولكن أيضًا من الناحية الاقتصادية، باعتباره أحد الأدوات الفعالة في تقليل الضغط على العملة الصعبة وتحسين ميزان المدفوعات.
نمو الصادرات وتعزيز المكانة الإقليمية
لم يقتصر أثر التطوير على السوق المحلي فقط، بل امتد ليشمل الصادرات الدوائية المصرية، التي سجلت نموًا بنسبة 21%، ما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي واعد في صناعة وتصدير الدواء داخل منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
كفاءة استثمارية عالية في قطاع التوطين
أظهرت المؤشرات الاقتصادية أن كل دولار يتم استثماره في عمليات التوطين يقابله وفر يصل إلى 3 دولارات في فاتورة الاستيراد، بنسبة كفاءة تبلغ 7:3، وهو ما يعكس العائد الاقتصادي الكبير من التوسع في التصنيع المحلي.
رؤية شاملة للأمن الصحي المستدام
تؤكد هذه النتائج أن الدولة المصرية تتحرك وفق رؤية متكاملة تستهدف بناء منظومة صحية قوية قادرة على الصمود أمام الأزمات، عبر تعزيز التصنيع المحلي، وتوطين الصناعات الحيوية، وضمان وصول الدواء الآمن إلى المواطن بجودة واستدامة.
ويُعد هذا الإنجاز خطوة مهمة على طريق تحقيق الاكتفاء النسبي في قطاع الدواء، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للصناعات الدوائية في المنطقة.


