أثارت سلالة نادرة وخطيرة من فيروس إيبولا حالة من القلق الواسع داخل الأوساط الصحية الدولية، بعدما أعلنت السلطات في جمهورية الكونغو الديمقراطية تسجيل عشرات الوفيات ومئات الإصابات المشتبه بها، وسط تحذيرات من تفشي المرض بصورة أكبر داخل القارة الإفريقية، خاصة في ظل غياب لقاح معتمد أو علاج فعال لهذه السلالة شديدة الخطورة.
وتعيش المناطق الشرقية من الكونغو الديمقراطية حالة استنفار صحي غير مسبوقة، عقب انتشار سلالة “بونديبوجيو” النادرة من فيروس إيبولا، والتي تُعد من أخطر السلالات المعروفة بسبب سرعة انتقالها وارتفاع معدل الوفيات الناتج عنها، إلى جانب محدودية الإمكانيات الطبية المتاحة للتعامل مع المرض داخل المناطق المتضررة.
وأكدت تقارير صادرة عن سلطات الصحة في الكونغو والمراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض، أن التفشي الحالي أسفر عن وفاة ما يزيد على 80 شخصًا، فيما جرى تسجيل أكثر من 240 حالة مشتبه بها حتى الآن، مع توقعات بارتفاع الأعداد خلال الأيام المقبلة نتيجة اتساع نطاق العدوى داخل بعض القرى والمناطق الحدودية.
ويتركز انتشار المرض في إقليم “إيتوري” شرقي الكونغو الديمقراطية، وهي منطقة تشهد تحركات سكانية كثيفة وتداخلًا حدوديًا مع أوغندا، ما يزيد من احتمالات انتقال الفيروس إلى دول مجاورة، خاصة بعد تسجيل حالة وفاة لرجل عبر الحدود قادم من الكونغو، الأمر الذي دفع السلطات الأوغندية إلى رفع درجة التأهب الصحي وتشديد إجراءات الفحص والمراقبة في المنافذ الحدودية.
وتُعرف سلالة “بونديبوجيو” بأنها واحدة من أندر سلالات فيروس إيبولا، حيث تم اكتشافها لأول مرة عام 2007 في أوغندا، لكنها عادت مجددًا بصورة أكثر خطورة، وفقًا لما أكدته تقارير صحية دولية. وتشير الدراسات إلى أن معدل الوفيات الناتج عن هذه السلالة قد يصل إلى نحو 50% من المصابين، خاصة في ظل غياب لقاح مخصص لها حتى الآن.
وتبدأ أعراض الإصابة بفيروس إيبولا عادة بحمى شديدة وارتفاع كبير في درجات الحرارة، ثم تتطور سريعًا إلى قيء وإسهال حاد وآلام قوية بالجسم وضعف عام، قبل أن تصل في بعض الحالات إلى نزيف داخلي وخارجي قد يؤدي إلى الوفاة خلال فترة قصيرة إذا لم يتم التدخل الطبي العاجل.
ويخشى خبراء الصحة من أن يؤدي تأخر اكتشاف الحالات الأولى إلى تفاقم الأزمة الصحية، حيث أشارت التقارير إلى أن الفيروس ظل ينتشر لأسابيع قبل التعرف رسميًا على طبيعة المرض، وهو ما ساهم في انتقال العدوى بين السكان والمخالطين داخل المجتمعات المحلية.
وفي محاولة لاحتواء الوضع، بدأت السلطات الكونغولية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والمراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض تنفيذ خطة طوارئ موسعة تشمل عزل المصابين وتتبع المخالطين وإجراء الفحوصات الميدانية، إلى جانب تعزيز الرقابة الصحية على الحدود وتكثيف حملات التوعية داخل المناطق المتضررة.
كما دفعت خطورة السلالة النادرة المجتمع الدولي إلى التحرك بشكل عاجل لدعم جهود الاحتواء، خاصة مع المخاوف من تحول التفشي الحالي إلى أزمة صحية إقليمية جديدة في القارة الإفريقية، في وقت لا تزال فيه الأنظمة الصحية في عدد من الدول تعاني من ضعف الإمكانيات ونقص التجهيزات الطبية.
ويرى متخصصون أن خطورة الوضع الحالي لا تتعلق فقط بسرعة انتشار المرض، وإنما أيضًا بكون السلالة الجديدة لا تستجيب بشكل كامل للقاحات المستخدمة ضد سلالة “زائير” الشهيرة، والتي سبق أن تسببت في موجات وبائية قاتلة خلال السنوات الماضية، ما يجعل السيطرة على التفشي أكثر تعقيدًا.
وتُعد جمهورية الكونغو الديمقراطية من أكثر الدول تعرضًا لتفشي فيروس إيبولا، حيث شهدت منذ اكتشاف المرض لأول مرة عام 1976 نحو 17 موجة تفشٍ مختلفة، بعضها تسبب في مئات الوفيات، بينما نجحت السلطات في احتواء بعضها الآخر بعد تدخلات صحية دولية واسعة.
ومع استمرار تسجيل الإصابات والوفيات، تتزايد التحذيرات من خطورة تجاهل الإجراءات الوقائية، خاصة في المناطق الريفية التي تعاني من ضعف الخدمات الصحية وانتشار المعتقدات التقليدية التي قد تعيق سرعة التعامل مع المرض.
ويؤكد خبراء الصحة أن الوقاية لا تزال السلاح الأهم في مواجهة فيروس إيبولا، من خلال تجنب مخالطة المصابين، والالتزام بإجراءات النظافة والتعقيم، والإبلاغ الفوري عن أي أعراض مشتبه بها، إلى جانب دعم الأنظمة الصحية المحلية لمنع تحول التفشي الحالي إلى كارثة إنسانية جديدة تهدد القارة الإفريقية بأكملها.


