في مشهد يعكس إصرار الدولة المصرية على إعادة رسم خريطة التنمية الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي، افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع «الدلتا الجديدة» بمحور الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، في واحد من أكبر المشروعات الزراعية والتنموية التي تشهدها مصر والمنطقة، مؤكدًا أن المشروع ليس مجرد توسع زراعي، بل رؤية متكاملة لبناء مستقبل اقتصادي وغذائي جديد للدولة المصرية.
وشهد الرئيس السيسي، خلال جولته التفقدية بالمشروع، استعراضًا شاملًا لحجم الإنجازات الضخمة التي تحققت على أرض الواقع، سواء فيما يتعلق بالبنية التحتية أو شبكات نقل المياه أو استصلاح الأراضي أو محطات الرفع والكهرباء، في إطار خطة قومية تستهدف تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات العالمية المرتبطة بالغذاء والمياه والتغيرات المناخية.
وكان في استقبال الرئيس لدى وصوله الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والدكتور حسين عيسى نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية، والفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، والسيد حسن عبدالله محافظ البنك المركزي، والفريق مهندس كامل الوزير وزير النقل، والدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري، والدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية، والسيد علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، والعقيد دكتور بهاء الغنام المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.
فيلم تسجيلي واستعراض لحجم الإنجازات داخل المشروع
وبدأت فعاليات الافتتاح بتلاوة آيات من القرآن الكريم، أعقبها عرض فيلم تسجيلي بعنوان «الدلتا الجديدة»، تناول حجم العمل والجهود التي بُذلت لإنجاز المشروع العملاق، ثم ألقى العقيد الدكتور بهاء الغنام كلمة استعرض خلالها مراحل التنفيذ والتحديات الفنية والهندسية التي واجهت المشروع، إلى جانب افتتاح محطة رفع المياه رقم 3 «نبع» عبر تقنية الفيديو كونفرانس.
وخلال كلمته، أكد الرئيس السيسي أن مشروع الدلتا الجديدة يمثل نموذجًا استثنائيًا لقدرة الدولة المصرية على تنفيذ المشروعات العملاقة رغم التحديات، مشيرًا إلى أن ما تحقق لم يكن ليحدث إلا بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بإرادة الشعب المصري وجهود مؤسسات الدولة المختلفة.
وقال الرئيس إن المشروع شهد تضافرًا غير مسبوق بين جميع جهات الدولة، إلى جانب مشاركة قوية من القطاع الخاص، موضحًا أن نحو 150 شركة تعمل في مجال الإنتاج الزراعي داخل المشروع فقط، فضلًا عن مئات الشركات الأخرى العاملة في القطاعات والخدمات المرتبطة بالمشروع.
800 مليار جنيه تكلفة المشروع وشبكات عملاقة للمياه والكهرباء
وأشار الرئيس إلى أن التكلفة الإجمالية للمشروع بلغت ما يقرب من 800 مليار جنيه، بمتوسط تكلفة يتراوح بين 350 و400 ألف جنيه للفدان الواحد، موضحًا أن حجم الأعمال المنفذة شمل إنشاء طرق جديدة بأطوال تصل إلى 12 ألف كيلومتر، إلى جانب شبكات ضخمة للكهرباء ومحطات الرفع والمرافق.
وأوضح الرئيس السيسي أن أحد أكبر التحديات التي واجهت المشروع كان توفير المياه اللازمة للزراعة، حيث تم تنفيذ منظومة عملاقة تعتمد على تجميع مياه الصرف الزراعي القادمة من محافظات الدلتا ومعالجتها معالجة ثلاثية متطورة قبل إعادة استخدامها في الزراعة.
وأضاف الرئيس: «علشان ناخد مياه الصرف الزراعي، فيه 150 كيلو مسار تم حفره وتجهيزه لنقل المياه إلى محطة 3 يوليو أو ما يعرف بالدلتا الجديدة»، مؤكدًا أن الدولة نفذت أعمالًا هندسية شديدة التعقيد لنقل المياه عكس اتجاه الجاذبية الطبيعية للأرض.
وأشار إلى أن المشروع تضمن إنشاء مسارين رئيسيين، شمالي وشرقي، بطول 150 كيلومترًا لكل منهما، بالإضافة إلى تنفيذ ما بين 13 و15 محطة رفع عملاقة في بعض المناطق، مؤكدًا أن المشروع يُعد «حكاية كبيرة جدًا» تعكس حجم الجهد المبذول في سبيل استصلاح ملايين الأفدنة.
وأضاف الرئيس: «نتحدث عن 300 كيلومتر مسارات تدخل على المحطات، ويتعمل محطات لزراعة 2.2 مليون فدان، بجانب شبكة كهرباء ضخمة وشبكة كهرباء داخلية، وأكثر من 100 ألف برج كهرباء لصالح هذا المكان».
كما أوضح الرئيس أن الدولة أنشأت محطات كهرباء بطاقة إجمالية تصل إلى نحو 2000 ميجاوات لخدمة المشروع، بما يضمن استدامة تشغيل محطات الرفع والبنية الزراعية والصناعية المرتبطة به.
استراتيجية زراعية جديدة لتحقيق أقصى استفادة من الأراضي
وفي إطار حديثه عن الرؤية الاستراتيجية للدولة، شدد الرئيس السيسي على أن خطة تطوير الزراعة في مصر تعتمد على التكامل بين الأراضي القديمة والجديدة، بحيث يتم تخصيص الأراضي الطينية في الوادي والدلتا لزراعة المحاصيل التقليدية ذات الإنتاجية العالية مثل القمح والذرة، بينما يتم توجيه الأراضي الصحراوية الجديدة لزراعة المحاصيل التي تتميز بجودة أعلى في البيئة الصحراوية، وعلى رأسها البنجر والمحاصيل التصديرية.
وأكد الرئيس أن هذه الرؤية تهدف لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد الزراعية والمائية، وتعظيم كفاءة الدورات الزراعية، بما ينعكس على زيادة الإنتاج وتحسين العائد الاقتصادي للدولة.
السيسي: الاكتفاء الذاتي الكامل من المحاصيل أمر شديد الصعوبة
وفي رسالة مهمة تتعلق بالأمن الغذائي، أكد الرئيس عبدالفتاح السيسي أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من جميع المحاصيل أمر شديد الصعوبة، ليس في مصر فقط، بل في أغلب دول العالم، موضحًا أن الزراعة ترتبط بعوامل عديدة تشمل المناخ والمياه والظروف البيئية.
وأشار الرئيس إلى أن مصر تستورد سنويًا ما بين 14 و17 مليون طن من الأعلاف، بالإضافة إلى كميات كبيرة من القمح، مؤكدًا أن الدولة تعمل باستمرار على تقليل الفجوة الغذائية وتعزيز الإنتاج المحلي دون تجاهل الحقائق المرتبطة بطبيعة الموارد والإمكانات المتاحة.
وشدد الرئيس على أن التنمية عملية مستمرة لا تتوقف، وأن الطموح المصري لا ينتهي، موضحًا أن مشروع الدلتا الجديدة ليس المشروع الوحيد الجاري تنفيذه، بل يأتي ضمن سلسلة من المشروعات القومية الزراعية الكبرى الممتدة في مختلف أنحاء الجمهورية.
وأشار إلى المشروعات التي يتم تنفيذها في المنيا وبني سويف وكوم أمبو وتوشكى وشرق العوينات وسيناء، مؤكدًا أن الدولة تتحرك وفق رؤية شاملة تستهدف تعمير الصحراء وزيادة الرقعة الزراعية وخلق مجتمعات عمرانية وإنتاجية جديدة.
مليونا فرصة عمل ودور محوري للقطاع الخاص
وكشف الرئيس أن مشروع الدلتا الجديدة يوفر نحو مليوني فرصة عمل، مؤكدًا أنها فرص عمل مستدامة وليست مؤقتة، بما يسهم في تحسين مستويات المعيشة وخلق فرص اقتصادية حقيقية للشباب والأسر المصرية.
وأكد الرئيس أهمية الدور الذي يقوم به القطاع الخاص داخل المشروع، موضحًا أن عمليات الزراعة والإنتاج تتم من خلال شركات خاصة يتم الاتفاق معها على المحاصيل المطلوبة وفقًا للدورة الزراعية المستهدفة، بما يضمن تحقيق أعلى كفاءة إنتاجية واقتصادية.
جولة رئاسية لمتابعة حصاد القمح وإنتاج البنجر
وعقب انتهاء الكلمات والفعاليات الرسمية، قام الرئيس السيسي بجولة تفقدية داخل المشروع، شملت زيارة محطة رفع المياه رقم 3 «نبع»، إلى جانب تفقد منظومة التشغيل والتحكم، كما تابع عمليات حصاد القمح واستمع إلى شرح تفصيلي حول جودة المحصول ومتوسط إنتاجية الفدان.
وحرص الرئيس على التقاط صورة تذكارية مع العاملين بالمشروع وعدد من الحضور، في رسالة تقدير لجهود العاملين الذين شاركوا في تنفيذ هذا المشروع القومي العملاق.
واختتم الرئيس جولته بمشاهدة إنتاجية محصول بنجر السكر، الذي يمثل أحد المحاصيل الرئيسية المستهدفة ضمن استراتيجية الدولة لتعزيز الصناعات الغذائية وتقليل فاتورة الاستيراد.
ويُنظر إلى مشروع الدلتا الجديدة باعتباره أحد أهم مشروعات الأمن الغذائي والتنمية الزراعية في تاريخ مصر الحديث، لما يمثله من نقلة نوعية في استصلاح الأراضي وتوفير المياه وإعادة توزيع الخريطة السكانية والإنتاجية، فضلًا عن مساهمته في خلق ملايين فرص العمل وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية والغذائية العالمية.


