دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة جديدة من الحذر والترقب، بعدما رفع سيتي بنك توقعاته لأسعار النفط على المدى القريب، محذرًا من أن الأسواق لا تزال تقلل من حجم المخاطر المرتبطة باستمرار اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط، وما قد ينتج عنها من موجة ارتفاعات جديدة في أسعار الخام عالميًا.
وبحسب مذكرة حديثة صادرة عن البنك، فإن السيناريو الأساسي يشير إلى إمكانية صعود أسعار خام برنت إلى نحو 120 دولارًا للبرميل خلال الفترة القريبة المقبلة، مدفوعًا بمخاوف تعطل الإمدادات لفترة أطول من المتوقع، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل حركة الملاحة وتدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لصادرات النفط في العالم.
ويأتي هذا التحذير في وقت تشهد فيه أسواق النفط حالة من الحساسية الشديدة تجاه أي تطورات جيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة أن جزءًا كبيرًا من التجارة العالمية للطاقة يعتمد على استقرار حركة النقل البحري في المنطقة، وهو ما يجعل المستثمرين يعيدون تقييم توقعاتهم بشكل مستمر.
الأسواق لا تسعّر المخاطر بالكامل
ورغم التحركات الأخيرة في أسعار النفط، يرى «سيتي بنك» أن الأسعار الحالية لا تعكس بصورة كاملة احتمالات استمرار الضغوط على الإمدادات لفترة ممتدة، وهو ما قد يؤدي إلى قفزات سعرية إضافية إذا تصاعدت المخاطر أو تأخر استعادة التدفقات الطبيعية للأسواق.
وأشار البنك إلى أن جزءًا من السوق لا يزال يتعامل مع الأزمة باعتبارها اضطرابًا مؤقتًا، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن أي تأخير في عودة الإمدادات قد يخلق فجوة بين العرض والطلب يصعب تعويضها سريعًا.
وتاريخيًا، كانت أسواق النفط تستجيب بقوة لأي اضطرابات تمس الممرات البحرية الرئيسية أو الإنتاج في المناطق الحيوية، لكن الوضع الحالي يختلف بسبب تداخل عدة عوامل في وقت واحد، تشمل التوترات الجيوسياسية، وتذبذب الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، إلى جانب المخاوف من انعكاس ذلك على النمو الاقتصادي العالمي.
سيناريو أكثر تفاؤلًا.. ولكن بأسعار أعلى
ورغم أن البنك وصف السيناريو البديل بأنه أكثر تفاؤلًا من حيث عودة النشاط التجاري، فإنه قد يقود في الوقت نفسه إلى مستويات سعرية أعلى مؤقتًا.
ووفقًا للتقديرات، قد يصل خام برنت إلى نحو 150 دولارًا للبرميل إذا تمت إعادة فتح مضيق هرمز تدريجيًا خلال الربع الثالث من العام، مع استمرار الضغوط على الإمدادات وعدم عودة التدفقات إلى مستوياتها المعتادة بشكل فوري. ([Investing.com][2])
ويعكس هذا السيناريو رؤية مفادها أن إعادة تشغيل الأسواق بعد فترات التعطل لا تعني بالضرورة عودة الأسعار سريعًا إلى مستوياتها السابقة، إذ تحتاج الأسواق إلى وقت لإعادة بناء المخزونات وتحقيق التوازن بين العرض والطلب.
لماذا يظل مضيق هرمز نقطة التأثير الأكبر؟
يُنظر إلى مضيق هرمز باعتباره أحد أكثر الممرات حساسية في منظومة الطاقة العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز المنقولة بحرًا، ما يجعل أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أسعار الخام وتكاليف الشحن والتأمين.
وتؤكد تقارير السوق أن المخاوف الحالية لا ترتبط فقط بكميات النفط المتدفقة، بل أيضًا بمدة استمرار الضغوط، لأن طول الأزمة قد يؤدي إلى تغيرات أوسع في سلوك المستوردين وشركات الطاقة وخطط التخزين العالمية.
كما أن استمرار ارتفاع الأسعار لفترات طويلة قد يفرض ضغوطًا تضخمية على الاقتصادات الكبرى، خاصة الدول المستوردة للطاقة، ويؤثر على تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار السلع والخدمات.
ماذا يعني ذلك للأسواق العالمية؟
تشير تقديرات المؤسسات المالية إلى أن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة قد يعيد ملف التضخم العالمي إلى الواجهة مجددًا بعد فترات من التراجع النسبي، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية إلى إعادة النظر في سياسات الفائدة وخطط التحفيز الاقتصادي.
كما أن قطاعات النقل والصناعة والخدمات اللوجستية ستكون من أكثر القطاعات تأثرًا بأي ارتفاعات ممتدة، في حين قد تستفيد بعض الدول المصدرة للطاقة من زيادة العوائد النفطية.
وفي المقابل، يظل مسار الأسعار خلال الأشهر المقبلة مرتبطًا بسرعة استعادة الإمدادات، ومدى استقرار الأوضاع الجيوسياسية، وقدرة السوق على امتصاص أي صدمات إضافية دون الدخول في موجة تقلبات أوسع.
وبين توقعات الوصول إلى 120 دولارًا وتحذيرات من سيناريو 150 دولارًا، يبدو أن أسواق النفط تدخل مرحلة جديدة عنوانها الرئيسي: المخاطر الجيوسياسية أصبحت لاعبًا رئيسيًا في تحديد الأسعار أكثر من أي وقت مضى.


