استعرض الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مقترحًا لإطلاق مبادرة وطنية تستهدف التوسع في استخدام مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة داخل المصانع، بما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو خفض الانبعاثات الكربونية، وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، وتعزيز كفاءة قطاع الصناعة باعتباره أحد أهم محركات النمو الاقتصادي.
ويأتي هذا التوجه في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بقضايا التغير المناخي، وما يفرضه من تحديات على الاقتصادات النامية والمتقدمة على حد سواء، حيث أصبحت كفاءة الطاقة والتحول إلى المصادر النظيفة عنصرًا أساسيًا في تعزيز القدرة التنافسية للدول في الأسواق العالمية، خاصة في ظل اشتراطات بيئية متزايدة على حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
وتهدف المبادرة المقترحة إلى دعم تنافسية الصناعة المصرية من خلال تقليل التكلفة التشغيلية للمصانع عبر الاعتماد على الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب تحسين كفاءة استهلاك الطاقة داخل خطوط الإنتاج. كما تسعى المبادرة إلى خفض الفاتورة الاستيرادية للمواد البترولية، بما يخفف الضغط على الميزان التجاري، ويسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل.
ويُنظر إلى القطاع الصناعي باعتباره أحد أكثر القطاعات استهلاكًا للطاقة، وهو ما يجعله محورًا رئيسيًا في أي خطة تستهدف التحول نحو الاقتصاد الأخضر. ومن ثم فإن إدخال مصادر الطاقة المتجددة في عمليات التشغيل داخل المصانع يمثل خطوة محورية في تقليل الانبعاثات الضارة، وتحسين كفاءة الإنتاج، ورفع جودة المنتجات المصرية بما يتوافق مع المعايير البيئية الدولية.
كما تستهدف المبادرة تعزيز القدرة التنافسية للصادرات المصرية في الأسواق العالمية، خاصة مع تزايد الاتجاه نحو فرض “البصمة الكربونية” كأحد معايير تقييم المنتجات. حيث أصبحت الأسواق الأوروبية والعالمية تولي اهتمامًا متزايدًا بمدى التزام المنتجات بالمعايير البيئية، وهو ما يجعل التحول نحو الطاقة النظيفة داخل المصانع المصرية عاملًا مهمًا في الحفاظ على النفاذ إلى تلك الأسواق، بل وزيادة الحصة التصديرية.
وفي هذا السياق، يُتوقع أن تسهم المبادرة في ترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي يربط بين الصناعة والطاقة والتحول الأخضر وسلاسل الإمداد النظيفة، خاصة في ظل ما تمتلكه الدولة من بنية تحتية متطورة في مجالات الطاقة، ومشروعات كبرى في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، إلى جانب موقع جغرافي استراتيجي يؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للطاقة والتصنيع المستدام.
كما تأتي هذه المبادرة متسقة مع رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة، والتي تضع التحول نحو الاقتصاد الأخضر ضمن أولوياتها الرئيسية، من خلال تحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة، ودعم الابتكار في مجالات التكنولوجيا المستدامة. ويُعد قطاع الصناعة أحد الأعمدة الأساسية في هذه الرؤية، نظرًا لدوره في توفير فرص العمل وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
ومن المتوقع أن تفتح المبادرة الباب أمام توسع أكبر في الشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص، سواء المحلي أو الدولي، بهدف نقل التكنولوجيا الحديثة في مجال الطاقة، وتطوير أنظمة إدارة الطاقة داخل المصانع، وتحسين كفاءة التشغيل من خلال الحلول الرقمية والأنظمة الذكية. كما قد تسهم في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى قطاع الطاقة المتجددة والصناعات المرتبطة بها.
ويرى خبراء الطاقة أن دمج مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة داخل القطاع الصناعي لا يقتصر فقط على كونه خيارًا بيئيًا، بل أصبح ضرورة اقتصادية في ظل ارتفاع أسعار الطاقة التقليدية عالميًا، وتزايد الضغوط المرتبطة بسلاسل الإمداد. كما أن هذا التوجه يسهم في تعزيز مرونة الاقتصاد الوطني وقدرته على مواجهة الأزمات العالمية في أسواق الطاقة.
ومن جانب آخر، يمثل هذا التوجه فرصة لتطوير مهارات العمالة الفنية والهندسية داخل القطاع الصناعي، من خلال التدريب على استخدام تقنيات الطاقة الحديثة، وأنظمة الإدارة الذكية للطاقة، بما يساهم في رفع كفاءة العنصر البشري، وتحسين جودة الإنتاج الصناعي.
وفي ضوء ذلك، يمكن اعتبار المبادرة المقترحة خطوة استراتيجية نحو إعادة صياغة العلاقة بين الصناعة والطاقة في مصر، بحيث تصبح الطاقة النظيفة عنصرًا أساسيًا في عملية الإنتاج وليس مجرد خيار إضافي. كما أنها تعكس توجه الدولة نحو بناء اقتصاد أكثر استدامة، قائم على الابتكار والتكنولوجيا، وقادر على المنافسة في الأسواق العالمية.
وبذلك، تمثل المبادرة المرتقبة نقلة نوعية في مسار التحول الأخضر في مصر، حيث تجمع بين البعد الاقتصادي والبيئي والتنموي، وتسهم في تحقيق توازن بين متطلبات النمو الصناعي والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.


