أثار تقرير جديد للأمم المتحدة عاصفة سياسية ودبلوماسية واسعة، بعدما كشفت تقارير دولية عن إدراج إسرائيل وروسيا ضمن قائمة الجهات المتهمة بارتكاب أعمال عنف جنسي مرتبطة بالنزاعات المسلحة، في خطوة وصفت بأنها من أخطر القرارات الحقوقية التي تصدرها المنظمة الدولية خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب تقارير إعلامية دولية، فإن الأمم المتحدة أدرجت إسرائيل ضمن القائمة الخاصة بالأطراف المتهمة باستخدام العنف الجنسي في مناطق النزاع، وهي القائمة التي تضم جماعات وتنظيمات سبق اتهامها بارتكاب انتهاكات واسعة، من بينها تنظيم داعش وحركة حماس. وجاء القرار ضمن التقرير السنوي الخاص بالعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة، والذي يقدمه الأمين العام للأمم المتحدة.
وأثار القرار غضبًا رسميًا داخل إسرائيل، حيث أعلن مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون وقف الاتصالات مع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، معتبرًا أن إدراج إسرائيل في هذه القائمة يمثل “قرارًا مخزيًا وغير أخلاقي”، على حد وصفه. كما اتهم مسؤولي الأمم المتحدة بشن “حملة تحريض” ضد تل أبيب، مؤكدًا أن إسرائيل قدمت معلومات وتعاونت مع المنظمة الدولية، لكنها فوجئت بإدراجها ضمن القائمة.
ويستند التقرير الأممي إلى مزاعم ووثائق تحدثت عن انتهاكات بحق معتقلين فلسطينيين داخل سجون ومراكز احتجاز إسرائيلية، تضمنت ادعاءات تتعلق بالعنف الجنسي والإهانات الجسدية والتعذيب. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت في أغسطس 2025 من احتمال إدراج إسرائيل في القائمة بسبب ما وصفته بـ”مخاوف خطيرة” تتعلق بتقارير موثقة عن انتهاكات بحق فلسطينيين داخل مراكز الاحتجاز.
وفي المقابل، تواصل إسرائيل رفض تلك الاتهامات، مؤكدة أنها “مزاعم لا أساس لها”، بينما تشير تقارير حقوقية وأممية إلى وجود شهادات لفلسطينيين تحدثوا عن تعرضهم لانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز خلال الحرب المستمرة في غزة. كما أكدت تقارير صادرة عن خبراء أمميين أن العنف الجنسي أصبح “أداة ضغط وسيطرة” ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
ولم يقتصر التقرير الأممي على إسرائيل فقط، إذ أعاد تسليط الضوء على روسيا، التي سبق أن واجهت اتهامات متكررة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا بشأن ارتكاب انتهاكات جنسية بحق المدنيين في مناطق النزاع. وكانت تقارير أممية وحقوقية قد وثقت خلال السنوات الأخيرة شهادات تتعلق بحالات اغتصاب واعتداءات جنسية في مناطق الحرب، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى الإبقاء على روسيا ضمن قوائم المراقبة المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية.
ويعد إدراج أي دولة أو جهة ضمن هذه القائمة بمثابة إدانة سياسية وأخلاقية ثقيلة، حتى وإن لم يترتب عليه عقوبات مباشرة، إذ تستخدم التقارير الأممية كوثائق مرجعية في التحقيقات الدولية وملفات المحاكم الجنائية المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية.
كما أثار التقرير جدلًا واسعًا بشأن ما إذا كانت الأمم المتحدة تتعامل بازدواجية في بعض الملفات، خاصة مع استمرار الجدل حول الجرائم المرتكبة خلال الحرب في غزة والحرب الروسية الأوكرانية. وبينما ترى أطراف دولية أن المنظمة الدولية بدأت تتخذ مواقف أكثر صرامة تجاه الانتهاكات، تتهمها دول أخرى بالانحياز والتسييس.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه الساحة الدولية توترًا متصاعدًا بسبب استمرار الحروب والنزاعات المسلحة في عدة مناطق حول العالم، حيث تتزايد التحذيرات من ارتفاع معدلات الانتهاكات ضد المدنيين، خصوصًا النساء والأطفال داخل مناطق القتال.
وكانت الأمم المتحدة قد أدرجت في تقارير سابقة جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية على قوائم العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، من بينها تنظيم داعش وحركة بوكو حرام وحركة حماس، بعد توثيق وقائع تتعلق باستخدام الاغتصاب والعنف الجنسي كوسيلة حرب وترهيب.
كما أعادت التقارير الأممية الأخيرة تسليط الضوء على أحداث السابع من أكتوبر 2023، بعدما أكدت تحقيقات أممية وجود “أدلة موثوقة” على وقوع أعمال عنف جنسي خلال هجمات حماس ضد إسرائيل، وهو ما دفع الأمم المتحدة سابقًا إلى إدراج الحركة ضمن القائمة ذاتها.
ويرى مراقبون أن إدراج إسرائيل وروسيا في مثل هذه القوائم قد يزيد الضغوط الدولية عليهما، خاصة في ظل تنامي الدعوات داخل المؤسسات الحقوقية الدولية لفتح تحقيقات موسعة بشأن الانتهاكات المرتكبة في مناطق النزاع، ومحاسبة المسؤولين عنها أمام العدالة الدولية.
وفي الوقت نفسه، يخشى مراقبون من أن يؤدي التصعيد السياسي الناتج عن هذه التقارير إلى مزيد من التوتر بين الأمم المتحدة وبعض الدول الكبرى، خاصة أن هذه الملفات أصبحت تمثل جزءًا من الصراع السياسي والدبلوماسي على الساحة الدولية.
ومع استمرار الجدل العالمي حول التقرير، تبقى الأنظار موجهة إلى ردود الفعل الدولية المقبلة، وما إذا كانت هذه الخطوة ستفتح الباب أمام إجراءات قانونية أوسع، أم ستظل مجرد إدانة سياسية ضمن سجلات الأمم المتحدة المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية.


