تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الدول العالمية في مجال التكنولوجيا والتحول الرقمي، بعدما تصدرت المرتبة الأولى عالميًّا في معدل تبني واعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي لعام 2026، بنسبة بلغت 70.1% بين السكان في سن العمل، وفقًا لأحدث البيانات الرسمية الصادرة عن تقرير مايكروسوفت العالمي والمنشورة عبر منصة “Visual Capitalist”، في إنجاز يعكس حجم الاستثمارات الضخمة والرؤية الاستراتيجية التي تتبناها الدولة لتعزيز الاقتصاد الرقمي وصناعة المستقبل.
وجاءت سنغافورة في المرتبة الثانية عالميًّا بنسبة 63.4%، بينما حلت دول متقدمة أخرى ضمن قائمة الأكثر اعتمادًا على تقنيات الذكاء الاصطناعي، في وقت تشهد فيه التكنولوجيا الحديثة سباقًا عالميًّا محمومًا بين الحكومات والشركات للاستفادة من القدرات المتطورة للذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية.
ويؤكد هذا التصنيف العالمي أن الإمارات نجحت خلال السنوات الماضية في بناء بنية تحتية رقمية متقدمة، مكنتها من التحول إلى مركز عالمي للابتكار والتكنولوجيا، خاصة مع التوسع الكبير في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، إلى جانب إدماج هذه التقنيات في مجالات التعليم والصحة والطاقة والنقل والخدمات المالية.
ويرى خبراء التكنولوجيا أن تصدر الإمارات لهذا المؤشر لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استراتيجية طويلة المدى بدأت منذ سنوات، اعتمدت خلالها الدولة على تطوير التشريعات الرقمية، وتوفير بيئة جاذبة للشركات العالمية المتخصصة في التكنولوجيا، فضلًا عن دعم ريادة الأعمال والابتكار واستقطاب الكفاءات والخبرات الدولية.
كما لعبت المبادرات الحكومية دورًا رئيسيًا في تسريع وتيرة التحول الرقمي، خاصة مع إطلاق العديد من البرامج الوطنية التي تستهدف توظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة الحياة وتعزيز كفاءة الخدمات الحكومية، الأمر الذي جعل الإمارات من أوائل الدول التي تبنت مفهوم “الحكومة الذكية” بشكل شامل.
ويأتي هذا التقدم في وقت أصبحت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للأفراد والشركات، سواء في إدارة الأعمال أو تحليل البيانات أو تطوير المحتوى أو أتمتة العمليات، وهو ما انعكس على ارتفاع معدلات الاعتماد على هذه التقنيات داخل سوق العمل الإماراتي مقارنة بباقي دول العالم.
وتشير البيانات إلى أن النمو المتسارع في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي يعكس أيضًا ارتفاع مستوى الوعي الرقمي لدى السكان، بالإضافة إلى تزايد الثقة في الحلول التكنولوجية الحديثة وقدرتها على تحسين الإنتاجية وتوفير الوقت والجهد، خاصة في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على البيانات والتحليل الذكي.
ومن جانبها، تواصل الشركات الكبرى العاملة في الإمارات ضخ استثمارات جديدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، سواء عبر تطوير التطبيقات والمنصات الذكية أو من خلال إنشاء مراكز بحثية متخصصة لدعم الابتكار التقني، في خطوة تهدف إلى تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
ويؤكد محللون اقتصاديون أن ريادة الإمارات في هذا المجال تمنحها أفضلية استراتيجية في الاقتصاد العالمي الجديد، خاصة مع التوقعات التي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيكون المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة، وأن الدول الأكثر تبنيًا لهذه التكنولوجيا ستحقق معدلات أعلى من الإنتاجية والنمو والاستدامة.
وفي المقابل، يشهد العالم حالة من التنافس المتزايد لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستفادة منها في القطاعات المختلفة، وسط تحذيرات دولية من اتساع الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والدول النامية، وهو ما يدفع العديد من الحكومات إلى تسريع خططها للتحول الرقمي حتى لا تتأخر عن الركب التكنولوجي العالمي.
وتعكس نتائج التقرير العالمي أيضًا التغيرات الكبيرة التي يشهدها سوق العمل، حيث أصبحت مهارات التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي من المتطلبات الأساسية في العديد من الوظائف الحديثة، الأمر الذي يدفع المؤسسات التعليمية والتدريبية إلى تحديث برامجها لتأهيل الكوادر البشرية لمتطلبات المستقبل.
وفي هذا الإطار، تعمل الإمارات على تعزيز الاستثمار في التعليم الرقمي وتنمية المهارات التقنية، عبر إطلاق مبادرات متخصصة لتعليم البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب المدارس والجامعات، بالإضافة إلى توفير برامج تدريب مهني تستهدف رفع كفاءة العاملين في مختلف القطاعات.
ويرى خبراء أن استمرار الإمارات في صدارة مؤشرات الذكاء الاصطناعي عالميًّا سيعزز مكانتها كمركز إقليمي ودولي للتكنولوجيا والابتكار، خاصة مع توسع الشركات العالمية في إنشاء مقار ومراكز تطوير داخل الدولة، مستفيدة من البيئة الاستثمارية المتطورة والبنية التحتية الرقمية الحديثة.
كما أن هذا التقدم يمنح الإمارات فرصة كبيرة لتعزيز مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي، ويدعم خطط التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية، بما يتماشى مع رؤيتها المستقبلية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
ومع استمرار التطورات المتسارعة في عالم التكنولوجيا، تبدو الإمارات في موقع متقدم يمكنها من قيادة التحولات الرقمية في المنطقة والعالم، مستفيدة من رؤيتها الاستباقية واستثماراتها الضخمة في التقنيات الحديثة، لتصبح نموذجًا عالميًّا في كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لتحقيق التنمية المستدامة وبناء مستقبل أكثر تطورًا وابتكارًا.


