في خطوة تعكس تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن الحرب مع إيران، أقر مجلس النواب الأمريكي مشروع قرار يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مواصلة العمليات العسكرية ضد طهران دون الحصول على موافقة صريحة من الكونجرس، في تطور اعتبره مراقبون تحديًا سياسيًا ودستوريًا جديدًا للإدارة الأمريكية.
وجاءت موافقة مجلس النواب بعد تصويت شهد انقسامًا سياسيًا واضحًا، حيث أيد القرار 215 نائبًا مقابل 208 أصوات معارضة، بينما انضم أربعة نواب جمهوريين إلى الديمقراطيين لدعم المشروع، في مؤشر على تنامي حالة القلق داخل الحزب الجمهوري نفسه من استمرار المواجهة العسكرية مع إيران وتداعياتها الاقتصادية والسياسية.
ما مضمون القرار؟
يستند المشروع إلى قانون صلاحيات الحرب الأمريكي الصادر عام 1973، والذي يمنح الكونجرس سلطة الإشراف على القرارات المتعلقة بإرسال القوات الأمريكية إلى النزاعات الخارجية. ويهدف القرار إلى إلزام الإدارة الأمريكية بإنهاء أي أعمال قتالية ضد إيران ما لم تحصل على تفويض مباشر من الكونجرس أو في حال وجود تهديد وشيك للأمن القومي الأمريكي.
ويرى مؤيدو القرار أن استمرار العمليات العسكرية دون موافقة تشريعية يمثل تجاوزًا للصلاحيات الدستورية الممنوحة للسلطة التنفيذية، مؤكدين أن قرار الحرب والسلم يجب أن يخضع لرقابة المؤسسة التشريعية وليس للرئيس وحده.
خلفية الأزمة
تعود جذور الأزمة الحالية إلى أواخر فبراير 2026 عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات عسكرية ضد أهداف إيرانية، ما أدى إلى تصعيد غير مسبوق في المنطقة. ومنذ ذلك الحين شهدت المنطقة سلسلة من الضربات المتبادلة والتوترات الأمنية التي انعكست على أسواق الطاقة العالمية وحركة الملاحة في منطقة الخليج، خاصة في مضيق هرمز.
كما تسبب استمرار الصراع في ارتفاع أسعار الوقود والطاقة داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي زاد الضغوط على الإدارة الأمريكية في ظل مخاوف من تأثير الحرب على الاقتصاد الأمريكي والانتخابات المقبلة.
انقسام داخل الحزب الجمهوري
ورغم سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب، فإن التصويت كشف عن وجود تباينات متزايدة داخل الحزب بشأن إدارة الحرب مع إيران. فقد انضم أربعة نواب جمهوريين إلى الديمقراطيين لدعم القرار، معتبرين أن الكونجرس يجب أن يستعيد دوره الدستوري في الإشراف على القرارات العسكرية الكبرى.
في المقابل، رفضت قيادات جمهورية بارزة القرار، وعلى رأسها رئيس مجلس النواب مايك جونسون، الذي اعتبر أن تقييد صلاحيات الرئيس في هذا التوقيت قد يضعف موقف الولايات المتحدة التفاوضي ويبعث برسائل خاطئة إلى الخصوم.
موقف البيت الأبيض
من جانبها، دافعت إدارة ترامب عن العمليات العسكرية، مؤكدة أن التحركات الأمريكية تهدف إلى منع إيران من تطوير قدراتها النووية وحماية المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة. كما ترى الإدارة أن الرئيس يمتلك صلاحيات واسعة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة للتعامل مع التهديدات الأمنية الطارئة.
وفي الوقت نفسه، حذر مسؤولون بالإدارة الأمريكية من أن تمرير مثل هذه القرارات قد يحد من قدرة واشنطن على التحرك السريع في مواجهة التهديدات المحتملة ويؤثر على جهود التفاوض الجارية مع إيران بشأن الملفات الأمنية والنووية.
ماذا بعد؟
رغم إقرار المشروع في مجلس النواب، فإن الطريق أمامه لا يزال معقدًا. إذ يحتاج القرار إلى استكمال مساره داخل المؤسسات التشريعية الأمريكية، كما يواجه تحديات سياسية وقانونية تتعلق بحدود صلاحيات الرئيس والكونجرس في إدارة الحروب والنزاعات الخارجية.
ويرى خبراء أن أهمية القرار لا تكمن فقط في آثاره القانونية المحتملة، بل أيضًا في الرسالة السياسية التي يحملها، إذ يعكس تراجع التأييد داخل الكونجرس لاستمرار الحرب وتصاعد المطالب بإيجاد مخرج سياسي للأزمة. كما يكشف عن تنامي المخاوف من انعكاسات الصراع على الاقتصاد الأمريكي واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
اختبار جديد للعلاقة بين الكونجرس والرئيس
يمثل التصويت الأخير واحدة من أبرز المحطات في الصراع التقليدي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في الولايات المتحدة بشأن صلاحيات الحرب. فبينما يتمسك البيت الأبيض بحق الرئيس في اتخاذ القرارات العسكرية السريعة لحماية الأمن القومي، يسعى الكونجرس إلى تأكيد دوره الدستوري في مراقبة وإقرار أي انخراط عسكري طويل الأمد.
وفي ظل استمرار التوتر مع إيران وتزايد الضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية، يبدو أن الجدل حول حدود السلطة العسكرية للرئيس سيظل حاضرًا بقوة خلال الفترة المقبلة، ليضيف بعدًا جديدًا إلى المشهد السياسي الأمريكي المعقد.


