تشهد سوق الخدمات البحرية في منطقة الخليج العربي موجة طلب غير مسبوقة على فرق الغوص المتخصصة في تنظيف هياكل السفن، في ظل استعداد عدد كبير من الناقلات والمراكب التجارية لمغادرة المنطقة بعد أشهر من التوقف والاضطراب في حركة الملاحة.
وبحسب خبراء في قطاع الشحن البحري، فإن هذا النوع من الخدمات الحيوية، المعروف باسم تنظيف الهياكل البحرية أو إزالة التراكمات العضوية، أصبح في قلب النشاط البحري خلال الفترة الأخيرة، بعدما تضاعفت الحاجة إليه بشكل كبير نتيجة بقاء مئات السفن في المياه الدافئة والراكدة لفترات طويلة، ما أدى إلى تراكم كثيف للكائنات البحرية على أجسامها الخارجية.
ويؤكد مختصون أن الطلب على فرق الغوص المتخصصة ارتفع بأكثر من 30 ضعفاً خلال فترة قصيرة، بالتزامن مع بوادر انفراجة سياسية بين الولايات المتحدة وإيران، وما تبعها من توقعات بإعادة فتح ممرات ملاحية استراتيجية في المنطقة، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم.
وقال أحد المسؤولين في شركة متخصصة في الخدمات البحرية بدبي، إن الأيام الأخيرة شهدت تحولاً مفاجئاً في حجم الطلب، حيث تسعى شركات الشحن إلى تجهيز سفنها بشكل عاجل قبل استئناف الإبحار عبر المضيق، مشيراً إلى أن فرق الغوص أصبحت تعمل بطاقتها القصوى لتلبية الطلب المتزايد من مختلف الشركات العالمية.
وأضاف أن الأسعار شهدت بدورها قفزة ملحوظة، حيث ارتفعت تكلفة تنظيف سفينة واحدة تحت الماء من نحو 5 آلاف دولار إلى ما يقارب 8 آلاف دولار في بعض الحالات، مع توقعات بزيادة إضافية إذا استمر الضغط على هذه الخدمات خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع محدودية عدد الفرق المؤهلة لهذا النوع الدقيق من العمل.
ويرى خبراء القطاع أن هذا الارتفاع في الأسعار يعود إلى عاملين رئيسيين: الأول هو زيادة الطلب بشكل مفاجئ وكبير، والثاني هو الطبيعة المعقدة والخطرة لعمليات تنظيف السفن في البيئات البحرية المفتوحة، والتي تتطلب مهارات عالية وتجهيزات خاصة، فضلاً عن عمل الغواصين لفترات طويلة تحت سطح الماء في ظروف قد تكون صعبة وغير مستقرة.
وتشير تقديرات شركات الملاحة إلى أن مئات السفن لا تزال متوقفة داخل منطقة الخليج منذ أشهر، في انتظار تحسن الأوضاع الأمنية والسياسية، وهو ما أدى إلى تراكم كميات كبيرة من الكائنات البحرية على هياكلها، مثل الطحالب والقشريات والمواد اللزجة التي تلتصق بقاع السفينة وتزيد من مقاومتها للمياه، وبالتالي ترفع استهلاك الوقود وتؤثر على كفاءة الإبحار.
وتُعد هذه التراكمات مشكلة حقيقية في قطاع النقل البحري، ليس فقط من الناحية الفنية، ولكن أيضاً من الناحية القانونية، إذ تشترط العديد من الموانئ الدولية أن تكون هياكل السفن نظيفة وخالية من أي كائنات بحرية غير مرغوب فيها، لتجنب انتقال الأنواع الغازية بين البيئات البحرية المختلفة، وهو ما يجعل عملية التنظيف شرطاً أساسياً قبل السماح بدخول بعض الموانئ.
وفي هذا السياق، يوضح خبراء أن القشريات البحرية، وهي كائنات صغيرة تشبه الكركند وسرطان البحر، تتصلب على أسطح السفن باستخدام مادة لاصقة طبيعية شديدة القوة، تجعل إزالتها عملية معقدة تتطلب كشطاً دقيقاً تحت الماء باستخدام أدوات متخصصة، وغالباً ما يتم ذلك بواسطة غواصين محترفين وليس عبر أي وسائل آلية.
ويضيف متخصصون أن طول فترة توقف السفن في المياه الدافئة يضاعف من حجم المشكلة، حيث توفر هذه البيئة ظروفاً مثالية لنمو الكائنات البحرية بسرعة كبيرة، ما يؤدي إلى تكوين طبقات سميكة تغطي أجزاء واسعة من هيكل السفينة خلال أسابيع قليلة فقط.
ومع توقع استئناف حركة الملاحة تدريجياً في مضيق هرمز، تسابق شركات الشحن الزمن لإعادة تأهيل أساطيلها البحرية، ليس فقط عبر التنظيف، ولكن أيضاً من خلال مراجعة شاملة لأنظمة السلامة والتأمين والتجهيزات الفنية، تحسباً لأي مخاطر محتملة أثناء العبور.
ويشير مسؤولون في قطاع النقل البحري إلى أن العودة إلى الوضع الطبيعي لن تكون فورية، حتى في حال إعادة فتح الممرات البحرية، حيث ستظل هناك تحديات تتعلق بتنظيم حركة السفن، وتنسيق العبور الآمن، والتأكد من خلو المياه من أي مخاطر أمنية أو ملاحية، إضافة إلى الإجراءات الاحترازية المرتبطة بالتأمين البحري.
كما يؤكد قبطان بحري ذو خبرة طويلة في الملاحة داخل الخليج، أن حالة السفن بعد هذا التوقف تختلف بشكل كبير من سفينة إلى أخرى، فبعضها يعاني من طبقات خفيفة من الطحالب، بينما يغطي البعض الآخر تراكم كثيف من الكائنات البحرية يتطلب عمليات تنظيف مكثفة قد تستغرق وقتاً أطول وتكلفة أعلى.
ويضيف أن هذا التفاوت يجعل من الصعب وضع سعر موحد لخدمات تنظيف الهياكل البحرية، إذ يتم تقييم كل سفينة بشكل منفصل وفق حالتها وحجم التراكمات الموجودة عليها، إضافة إلى مدة التوقف ونوع المياه التي رست فيها.
ومع استمرار هذه التطورات، يبدو أن قطاع الغوص التجاري في المنطقة مقبل على فترة نشاط استثنائية، قد تعيد رسم خريطة الأسعار والطلب في سوق الخدمات البحرية، خاصة إذا استمرت حركة إعادة تشغيل الممرات الملاحية الحيوية في المنطقة خلال الفترة المقبلة.


