Dr. Aly M. Ibrahem
الأستاذ بمركز البحوث الزراعية
شهد العالم خلال العقود الثلاثة الماضية متغيرات متسارعة أعادت تشكيل النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، فلم تعد التحديات تقتصر على تحرير التجارة الدولية أو العولمة، بل امتدت لتشمل الأزمات الجيوسياسية، والتغيرات المناخية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والأوبئة العالمية، وأزمات الطاقة، والتطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة، الأمر الذي جعل قضية الأمن الغذائي واحدة من أهم قضايا الأمن القومي في مختلف دول العالم.
وقد أثبتت الأزمات العالمية الأخيرة، وعلى رأسها جائحة كوفيد-19، والحرب الروسية الأوكرانية، والاضطرابات في البحر الأحمر، أن الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية في توفير الغذاء يمثل خطراً استراتيجياً، خاصة بالنسبة للدول المستوردة للغذاء مثل مصر والعديد من الدول العربية.
وفي الوقت نفسه، أصبحت التغيرات المناخية من أخطر العوامل المؤثرة على الإنتاج الزراعي نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، وتكرار موجات الجفاف، وندرة الموارد المائية، وتدهور الأراضي الزراعية، وانتشار الآفات والأمراض الجديدة، مما يفرض ضرورة تبني نظم إنتاج زراعي أكثر كفاءة واستدامة.
كما شهد العالم تطوراً هائلاً في استخدام التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي في الزراعة، بما يشمل الزراعة الدقيقة، والاستشعار عن بعد، والطائرات بدون طيار، وإنترنت الأشياء، وتحليل البيانات الضخمة، بما يسهم في رفع الإنتاجية وترشيد استخدام المياه والأسمدة والطاقة.
مقومات تحقيق الأمن الغذائي في مصر والوطن العربي
إن تحقيق الأمن الغذائي العربي خلال العقود القادمة يتطلب استراتيجية شاملة تقوم على المحاور الآتية:
1. اعتبار الأمن الغذائي جزءاً أساسياً من منظومة الأمن القومي العربي.
2. تعزيز التكامل الزراعي العربي من خلال الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية والبشرية والمالية بما يحقق المزايا النسبية لكل دولة عربية.
3. زيادة الإنتاج المحلي من السلع الغذائية الإستراتيجية، وخاصة القمح والذرة والزيوت والبقوليات والسكر والأعلاف، مع تقليل الاعتماد على الواردات.
4. التوسع في مشروعات الاستصلاح الزراعي والتنمية الأفقية والرأسية مع حماية الأراضي الزراعية من التعديات.
5. تعظيم كفاءة استخدام المياه من خلال:
* نظم الري الحديثة.
* إعادة استخدام المياه.
* تحلية المياه في المناطق الساحلية.
* تطوير أصناف قليلة الاحتياج للمياه.
1. الاستثمار المكثف في البحث العلمي الزراعي، والتكنولوجيا الحيوية، والهندسة الوراثية، وإنتاج أصناف مقاومة للجفاف والملوحة والحرارة.
2. تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في جميع مراحل الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي والتسويق.
3. إنشاء مخزون استراتيجي آمن من السلع الغذائية الأساسية بما يكفل مواجهة الأزمات العالمية.
4. تطوير الصناعات الغذائية وسلاسل القيمة وتقليل الفاقد بعد الحصاد، والذي يمثل نسبة مؤثرة من الإنتاج الزراعي.
5. تشجيع الاستثمار الزراعي المحلي والعربي والأجنبي، مع توفير بيئة تشريعية جاذبة للمستثمرين.
6. تنمية الصادرات الزراعية المصرية والعربية وفقاً للمعايير الدولية لزيادة موارد النقد الأجنبي.
7. تعزيز الأمن المائي باعتباره الركيزة الأساسية للأمن الغذائي، من خلال التعاون الإقليمي، وترشيد الاستهلاك، وتنمية الموارد المائية غير التقليدية.
8. الاهتمام بالاقتصاد الأخضر والزراعة الذكية مناخياً، وخفض الانبعاثات الكربونية، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة بالمشروعات الزراعية.
9. رفع كفاءة العنصر البشري من خلال التدريب المستمر وبناء القدرات في مجالات التكنولوجيا الزراعية الحديثة.
رؤية مستقبلية حتى عام 2040
إن مستقبل الأمن الغذائي العربي لن يتحقق بمجرد زيادة الإنتاج الزراعي، وإنما من خلال بناء منظومة متكاملة تجمع بين الأمن المائي، والأمن الطاقي، والأمن الاقتصادي، والابتكار العلمي، والتحول الرقمي، والاستثمار المستدام، بما يحقق الاكتفاء النسبي من السلع الإستراتيجية، ويرفع القدرة التنافسية للقطاع الزراعي، ويعزز قدرة الدول العربية على مواجهة الأزمات العالمية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ويمثل القطاع الزراعي المصري، بما يمتلكه من خبرات علمية وبنية بحثية ومشروعات قومية كبرى، أحد أهم محاور تحقيق الأمن الغذائي العربي خلال العقود المقبلة، إذا ما تم توظيف التكنولوجيا الحديثة، وتعزيز الاستثمار، وربط البحث العلمي بالتطبيق والإنتاج.


