تواصل الحكومة المصرية تنفيذ استراتيجية متكاملة لإدارة التمويل العام وتنويع مصادر الاقتراض، في إطار جهودها لتأمين احتياجات الاقتصاد الوطني ودعم الاستقرار المالي خلال السنوات المقبلة. وفي هذا السياق، كشفت وزارة المالية عن خطط تستهدف إصدار سندات دولية بقيمة تصل إلى 4 مليارات دولار خلال العام المالي 2026-2027، بالتزامن مع إجراءات أخرى لزيادة إيرادات الدولة وتعزيز كفاءة إدارة الموارد العامة.
وأكد أحمد كجوك، وزير المالية، أن احتياجات مصر من التمويل الخارجي خلال العام المالي الجديد، الذي يبدأ في يوليو 2026، تتراوح بين 8 و9 مليارات دولار، مشيراً إلى أن الحكومة نجحت بالفعل في تأمين نحو نصف هذه الاحتياجات من خلال تمويلات ميسرة بشروط ميسرة وآجال سداد طويلة، وهو ما يعكس ثقة المؤسسات الدولية والشركاء الماليين في أداء الاقتصاد المصري.
وأوضح الوزير أن الدولة تستهدف استكمال تغطية احتياجاتها التمويلية عبر إصدارات دولية متنوعة، من بينها سندات دولارية وسندات ساموراي المقومة بالين الياباني، بما يسهم في تنويع أدوات التمويل وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للسيولة الخارجية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه الحكومة إلى الحفاظ على استقرار المؤشرات الاقتصادية رغم التحديات العالمية والإقليمية المتلاحقة، وعلى رأسها تداعيات التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، والتي تمثل ضغوطاً إضافية على الاقتصادات الناشئة.
وكانت مصر قد نجحت خلال شهر مايو الماضي في جمع مليار دولار من خلال إصدار سندات دولية لأجل ثماني سنوات، في خطوة عكست استمرار شهية المستثمرين تجاه أدوات الدين المصرية، رغم حالة عدم اليقين التي تشهدها الأسواق العالمية. وأظهرت مؤشرات الطرح إقبالاً قوياً من المستثمرين الدوليين، ما اعتبرته الحكومة مؤشراً إيجابياً على تحسن النظرة للاقتصاد المصري.
وفي سياق متصل، كشف وزير المالية عن توجه لإصدار سندات ساموراي جديدة قبل نهاية يونيو أو خلال يوليو المقبل، استكمالاً للنجاحات التي حققتها مصر في السوق اليابانية خلال السنوات الماضية. وكانت القاهرة قد طرحت أول إصدار من هذه السندات في عام 2022، قبل أن تعود بإصدار ثانٍ في عام 2023، ضمن خطة تستهدف الوصول إلى أسواق تمويل جديدة وتوسيع قاعدة المستثمرين.
وعلى صعيد السياسة المالية، تتزامن خطط الاقتراض الخارجي مع جهود حكومية مكثفة لزيادة الإيرادات المحلية وتقليل الضغوط على الموازنة العامة. وفي هذا الإطار، تستهدف الحكومة تحصيل نحو 37 مليار جنيه إضافية من أرباح الشركات المملوكة للدولة أو التي تمتلك فيها حصصاً مؤثرة، وذلك من خلال مشروع قانون جديد يناقشه مجلس النواب حالياً.
ويقضي المشروع بإلزام الشركات المملوكة بالكامل للدولة بتوريد نسبة 5% من صافي أرباحها السنوية إلى الخزانة العامة بعد تغطية الخسائر المرحلة، كما يفرض نسبة 4% على نصيب الدولة في أرباح الشركات التي تمتلك فيها الحكومة أكثر من 50% من رأس المال، دون المساس بحقوق المستثمرين من القطاع الخاص أو المساهمين الأفراد.
وتراهن الحكومة على هذه الإجراءات في دعم الإيرادات العامة وتعزيز قدرة الدولة على تمويل برامج التنمية والإنفاق على الخدمات الأساسية ومشروعات البنية التحتية، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في تكلفة خدمة الدين.
وتشير البيانات المالية إلى أن عجز الموازنة ارتفع خلال النصف الأول من العام المالي الجاري إلى 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 4% خلال الفترة نفسها من العام السابق. كما ارتفعت مدفوعات فوائد الدين بنسبة 34.6% لتصل إلى نحو 1.26 تريليون جنيه، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه المالية العامة.
ورغم هذه الضغوط، أظهرت مؤشرات الاقتصاد المصري خلال الأشهر الأخيرة عدداً من الإشارات الإيجابية، من بينها تباطؤ معدلات التضخم، وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية إلى مستويات قياسية، وتحسن أداء عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية، وعلى رأسها الأنشطة غير البترولية وقناة السويس.
كما شهد الجنيه المصري تحسناً نسبياً في سوق الصرف، مدعوماً بعودة تدفقات النقد الأجنبي وتحسن ثقة المستثمرين في قدرة الاقتصاد على التعامل مع المتغيرات العالمية.
ويرى مراقبون أن نجاح الحكومة في تنفيذ خططها التمويلية وتنويع مصادر الاقتراض، بالتوازي مع تعزيز الإيرادات الضريبية وغير الضريبية، سيمنح الاقتصاد المصري مساحة أكبر لمواجهة التحديات المالية خلال المرحلة المقبلة، مع الحفاظ على استدامة الدين العام ودعم جهود النمو الاقتصادي.
وتعكس التحركات الحكومية الأخيرة توجهاً واضحاً نحو تحقيق التوازن بين تأمين الاحتياجات التمويلية من جهة، والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي من جهة أخرى، بما يدعم قدرة الاقتصاد المصري على مواصلة مسار الإصلاح والتنمية خلال السنوات المقبلة.


