خبير الطاقه الكهربائيه
لم تكن أزمة الكهرباء التي عاشتها مصر قبل عام 2014 مجرد انقطاعات متكررة للتيار، بل كانت تحديًا حقيقيًا أثر على مختلف مناحي الحياة اليومية، وانعكس بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي والاستثماري والخدمات الأساسية للمواطنين. ومع انطلاق مرحلة جديدة عقب ثورة 30 يونيو، وضعت الدولة ملف الكهرباء على رأس أولوياتها باعتباره أحد أهم ملفات الأمن القومي، لتبدأ رحلة تحول غير مسبوقة نقلت القطاع من مرحلة العجز إلى تحقيق فائض في الإنتاج، مع التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، وإطلاق البرنامج النووي السلمي، وتطوير الشبكة القومية، وصولًا إلى تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة.
وقال الدكتور أحمد الشناوي، خبير الطاقة الكهربائية، إن مصر كانت تواجه في عام 2013 أزمة حقيقية في قطاع الكهرباء، حيث بلغ إجمالي إنتاج الطاقة الكهربائية آنذاك نحو 22 ألف ميجاوات، بينما وصلت الاحتياجات الفعلية إلى نحو 29 ألف ميجاوات، وهو ما تسبب في وجود فجوة قدرت بحوالي 7 آلاف ميجاوات بين الإنتاج والاستهلاك.
وأوضح أن هذا العجز انعكس بصورة مباشرة على المواطنين، حيث شهدت البلاد انقطاعات يومية للتيار الكهربائي استمرت ما بين ثلاث وأربع ساعات، الأمر الذي أدى إلى تعطيل العديد من مظاهر الحياة اليومية، فتوقفت محطات تموين السيارات عن العمل، وسُجلت حالات وفاة لأطفال داخل الحضانات نتيجة انقطاع الكهرباء، كما وقعت حالات اختناق داخل المصاعد، وتوقفت المصانع عن الإنتاج، وبدأ عدد من المستثمرين في مغادرة السوق، لتعيش البلاد أوضاعًا وصفها بأنها كانت كارثية بكل المقاييس.
وأشار الشناوي إلى أنه مع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مسؤولية قيادة البلاد في يونيو 2014، تم التعامل مع أزمة الكهرباء باعتبارها قضية أمن قومي، حيث تبنت الدولة خطة شاملة لإنهاء الأزمة من جذورها، مع وضع رؤية متكاملة لتأمين احتياجات مصر من الطاقة الكهربائية خلال السنوات المقبلة.
وأضاف أن الحكومة بدأت تنفيذ عدد من الإجراءات العاجلة، كان من أبرزها التوسع في استخدام مصابيح «LED» الموفرة للطاقة، وتشجيع إنشاء محطات الطاقة الشمسية فوق أسطح المباني، خاصة الوزارات والمنشآت الحكومية، إلى جانب الإسراع في إعادة تشغيل محطات الكهرباء التي كانت متوقفة بسبب تأخر أعمال الصيانة، بما ساهم في زيادة القدرات المتاحة على الشبكة القومية.
كما أكد أن وزارة البترول والثروة المعدنية لعبت دورًا محوريًا خلال تلك المرحلة، من خلال توفير الوقود اللازم لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء، الأمر الذي ساعد على استقرار التغذية الكهربائية تدريجيًا، وساهم في تجاوز واحدة من أصعب الأزمات التي شهدها قطاع الطاقة في مصر.
مشروعات عملاقة قادت تحول قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة
وفي إطار التحرك السريع لمعالجة أزمة الكهرباء، شهد مؤتمر مصر الاقتصادي الذي عُقد بمدينة شرم الشيخ في مارس 2015، التعاقد مع إحدى الشركات العالمية الرائدة في مجال الطاقة الكهربائية لتنفيذ ثلاثة من أكبر مشروعات إنتاج الكهرباء في مصر، وذلك من خلال إنشاء ثلاث محطات عملاقة في بني سويف، والعاصمة الإدارية الجديدة، والبرلس. وتعتمد هذه المحطات على تكنولوجيا الدورة المركبة، التي تتيح تحقيق أعلى كفاءة ممكنة في إنتاج الكهرباء مع خفض معدلات استهلاك الوقود المستخدم. وتتكون كل محطة من أربع وحدات توليد، تبلغ قدرة كل محطة 4800 ميجاوات، لتصل القدرة الإنتاجية الإجمالية للمحطات الثلاث إلى 14 ألفًا و400 ميجاوات، وهو ما مثل إضافة غير مسبوقة لقدرات الشبكة القومية للكهرباء.
وفي الوقت نفسه، اتخذت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة خطوات واسعة للتوسع في إنشاء محطات إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، انطلاقًا من أهمية هذه المصادر باعتبارها طاقة نظيفة ومتجددة لا ينتج عنها أي انبعاثات كربونية، كما تسهم في الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، إلى جانب دورها في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ممثلًا في الغاز الطبيعي والمازوت، المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء التقليدية، وهو ما ينعكس إيجابًا على تخفيف الأعباء المالية على موازنة الدولة.
وكانت البداية مع مشروعات الطاقة الشمسية، وفي مقدمتها محطة بنبان بمحافظة أسوان، التي تعد واحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، بقدرة إنتاجية تبلغ 1485 ميجاوات. وقد أطلقت الأمم المتحدة على مدينة أسوان لقب «عاصمة الشمس»، كما أسهمت المحطة في خفض الانبعاثات الكربونية بنحو مليوني طن سنويًا.
وشملت مشروعات الطاقة الشمسية كذلك محطة أبيدوس 1 بقدرة 500 ميجاوات، ومحطة أبيدوس 2 بقدرة 1000 ميجاوات، والتي تشهد للمرة الأولى استخدام أنظمة بطاريات لتخزين الطاقة الكهربائية، بما يضمن استمرار إمدادات الكهرباء والتغلب على مشكلة توقف إنتاج الطاقة الشمسية مع غروب الشمس
كما تم تنفيذ محطة كوم أمبو للطاقة الشمسية بقدرة 200 ميجاوات، إلى جانب إنشاء محطة غرب النيل للطاقة الشمسية بقدرة إنتاجية تبلغ 200 ميجاوات.
وفي يناير 2026، تم افتتاح المرحلة الأولى من مشروع أوبيليسك لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بمدينة نجع حمادي بمحافظة قنا، بقدرة 500 ميجاوات، بالإضافة إلى 200 ميجاوات/ساعة من أنظمة تخزين الطاقة باستخدام البطاريات، في خطوة تعزز استقرار الشبكة الكهربائية وترفع كفاءة الاعتماد على الطاقة النظيفة.
وبالانتقال إلى مشروعات طاقة الرياح، تبرز محطة جبل الزيت، الواقعة على ساحل البحر الأحمر جنوب مدينة رأس غارب، باعتبارها واحدة من أهم مشروعات إنتاج الكهرباء من الرياح في مصر والعالم. وتقع المحطة على مساحة 100 كيلومتر مربع، وتضم 290 توربينًا موزعة على ثلاث مراحل، بإجمالي قدرة إنتاجية تبلغ 580 ميجاوات. وقد حصلت المحطة على جائزة أفضل مشروع عالمي للطاقة والصناعة لعام 2022، كما تصنف ضمن أكبر محطات إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح على مستوى العالم.
وتضم محطة جبل الزيت أيضًا نظامًا متطورًا لرصد الطيور المهاجرة باستخدام الرادار، يتيح إيقاف التوربينات مؤقتًا أثناء مرور أسراب الطيور، بما يسهم في الحفاظ على سلامتها دون التأثير على البيئة.
ومن المشروعات المهمة أيضًا محطة رأس غارب الجديدة، التي تبلغ قدرتها الإنتاجية 500 ميجاوات، مع خطة لزيادتها إلى 650 ميجاوات في مرحلة مستقبلية. وتكفي المحطة لتغذية أكثر من مليون منزل، كما تسهم في خفض الانبعاثات الكربونية بنحو 1.5 مليون طن سنويًا.
وتعد محطة الزعفرانة أول محطة لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح في مصر، حيث تضم 700 توربينة رياح، وتبلغ قدرتها الإنتاجية نحو 600 ميجاوات، لتكون نقطة الانطلاق نحو التوسع في استغلال طاقة الرياح داخل البلاد.
كما تضم قائمة المشروعات محطة رأس غارب 1، التي تضم 126 توربينًا بإجمالي قدرة إنتاجية تصل إلى 262 ميجاوات، فيما بلغت تكلفة تنفيذها نحو 388 مليون دولار.
أما محطة غرب بكر، فتقع في منطقة خليج السويس، على بعد 30 كيلومترًا شمال غرب رأس غارب، وتبلغ قدرتها الإنتاجية 250 ميجاوات، وتضم 96 توربينة رياح، كما تسهم في تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يتراوح بين 530 ألفًا و550 ألف طن سنويًا.
وإذا انتقلنا إلى أكبر مشروعات طاقة الرياح، نجد مشروع غرب سوهاج، الذي يعد أضخم مشروع لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح، حيث تبلغ القدرة الكهربائية المنتجة نحو 10 جيجاوات، ما يجعله ثاني أكبر مزرعة رياح برية على مستوى العالم، والأكبر في منطقة الشرق الأوسط.
وأشار الدكتور أحمد الشناوي إلى أن نسبة إنتاج الكهرباء من الطاقة الجديدة والمتجددة تبلغ حاليًا نحو 25% من إجمالي الكهرباء المنتجة على الشبكة القومية، بينما كان المخطط أن ترتفع هذه النسبة إلى 40% بحلول عام 2030، لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. إلا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه برفع المستهدف إلى 45%، مع تقليص الجدول الزمني لتحقيق هذا الهدف ليصبح عام 2028 بدلًا من 2030.
وعند الحديث عن المشروعات القومية الكبرى، يبرز مشروع محطة الضبعة النووية، الذي ظل حلمًا يراود المصريين لأكثر من ستة عقود، قبل أن يتحول إلى واقع.
وقد تحقق هذا الحلم خلال الزيارة التاريخية التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مصر، حيث شهد المؤتمر الصحفي العالمي الذي عُقد يوم الاثنين الموافق 11 ديسمبر 2017، وبحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، توقيع الاتفاق بين الجانبين المصري والروسي لبدء تنفيذ مشروع المفاعل النووي بمحطة الضبعة.
وفي عام 2019، أصدرت هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية إذن قبول اختيار موقع الضبعة والتأكد من صلاحيته لإقامة مفاعل نووي، كما منحت أيضًا إذن إنشاء المفاعل النووي الأول، لتبدأ مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروع.
وفي إطار التوسع في مصادر الطاقة المستقبلية، انتقلت الدولة إلى مشروعات الهيدروجين الأخضر، الذي يعد وقود المستقبل، حيث تم تأسيس شركة مصر للهيدروجين الأخضر، ومنحتها الحكومة المصرية الرخصة الذهبية لإنشاء مصنع بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس بقدرة 100 ميجاوات. ويتميز الهيدروجين الأخضر بكونه مصدرًا نظيفًا للطاقة يمكن استخدامه بديلًا للغاز الطبيعي في محطات الكهرباء التقليدية، دون التسبب في أي انبعاثات كربونية.
وفي إطار جهود التحول الرقمي والقضاء على الروتين، أنشأت جميع شركات الكهرباء منصة رقمية تتيح للمواطنين الحصول على معظم الخدمات إلكترونيًا دون الحاجة إلى التوجه إلى مقار الشركات، كما تم تخصيص الخط الساخن 121 لتلقي استفسارات وشكاوى المشتركين والرد عليها على مدار الساعة.
ولتشجيع المواطنين على إنشاء محطات الطاقة الشمسية، وفرت وزارة الكهرباء منصة إلكترونية تضم أسماء الشركات المعتمدة لتنفيذ محطات الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى المستندات المطلوبة لإنشاء المحطات، بما يسهم في تشجيع المواطنين على الاعتماد على الطاقة الشمسية، وتقليل استهلاك الكهرباء من الشبكة القومية، وهو ما ينعكس على خفض الأحمال على محطات الكهرباء التقليدية التي تعمل بالغاز الطبيعي والمازوت.
تطوير الشبكة الكهربائية وفائض الإنتاج.. مصر ترسخ مكانتها مركزًا إقليميًا للطاقة
ولم تقتصر جهود الدولة على التوسع في إنشاء محطات إنتاج الكهرباء، بل امتدت أيضًا إلى تطوير الشبكة القومية والحد من الفقد الفني، حيث تم تركيب أجهزة متطورة لمراقبة أداء الشبكة الكهربائية على مدار الساعة، بما يتيح سرعة اكتشاف أي أعطال أو أوجه قصور والتعامل معها فورًا. كما تواصلت أعمال إحلال وتجديد مكونات الشبكة، والتي شملت الكابلات الأرضية، والخطوط الهوائية، ومحولات القدرة الكهربائية، إلى جانب إنشاء مراكز تحكم حديثة تُمكن من متابعة كميات الكهرباء المنتجة والمستهلكة لحظة بلحظة، وتسهيل إجراء المناورات الفنية في حالات انقطاع التيار، بما يضمن سرعة إعادة التغذية الكهربائية للمشتركين وتقليل زمن الانقطاع إلى أدنى مستوى.
وأشار الدكتور أحمد الشناوي إلى أن الموقع الجغرافي المتميز لمصر، والذي يتوسط ثلاث قارات، إلى جانب كفاءة الشبكة الكهربائية المصرية واعتمادها على مزيج متنوع من مصادر إنتاج الكهرباء، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، أسهم في تعزيز مكانة الدولة لتصبح محورًا إقليميًا للطاقة الكهربائية، وقاعدة رئيسية لتبادل الطاقة مع العديد من دول المنطقة.
وأوضح أن جميع هذه المشروعات القومية العملاقة انعكست بصورة مباشرة على قدرات قطاع الكهرباء، حيث ارتفع إجمالي إنتاج الطاقة الكهربائية إلى نحو 65 ألف ميجاوات، في حين بلغ أقصى حمل على الشبكة حوالي 39 ألف ميجاوات خلال شهر أغسطس 2025، وهو ما يؤكد أن الشبكة الكهربائية المصرية أصبحت مستقرة ومتزنة، وأن حجم الإنتاج يفوق حجم الاستهلاك، فضلًا عن اعتمادها على مزيج متكامل من مصادر الطاقة، وتحولها إلى شبكة كهربائية ذكية تعتمد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات وتحسين كفاءة التشغيل.
واختتم الدكتور أحمد الشناوي تصريحاته مؤكدًا أن قطاع الكهرباء في مصر نجح، خلال سنوات قليلة، في الانتقال من مرحلة المعاناة بسبب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي إلى مرحلة تحقيق فائض في الإنتاج يكفي لتلبية الاحتياجات المحلية، مع التوسع في تصدير الكهرباء إلى الأسواق الخارجية. وأضاف أن ما تحقق يعكس حجم التحول الذي شهدته الدولة بعد ثورة 30 يونيو، والتي شكلت نقطة انطلاق نحو كتابة صفحة جديدة في تاريخ الكهرباء والطاقة في مصر، ورسخت أسس قطاع قادر على دعم التنمية المستدامة ومواكبة متطلبات المستقبل.


