يشهد المشروع النووي المصري خلال الأيام المقبلة محطة فارقة في مسيرة التنفيذ، مع الاستعداد لتنفيذ عملية تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الثانية بمحطة الضبعة النووية، في خطوة تعكس التقدم المتواصل في تنفيذ أحد أكبر المشروعات القومية الاستراتيجية في قطاع الطاقة، وتؤكد التزام الدولة بالجدول الزمني للمشروع الذي يمثل حجر الأساس لبرنامج مصر النووي السلمي.
وأعلنت هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء، برئاسة الدكتور شريف حلمي، قرب تنظيم فعالية خاصة بمناسبة تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الثانية، وهو أحد أهم المكونات الرئيسية داخل المحطة النووية، حيث يمثل القلب الرئيسي للمفاعل النووي الذي تتم داخله عملية الانشطار النووي لإنتاج الطاقة الحرارية اللازمة لتوليد الكهرباء.
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أعلن، خلال افتتاحه القيادة الاستراتيجية للدولة، أن الأيام المقبلة ستشهد تنفيذ هذه المرحلة المهمة، مؤكدًا أن مشروع محطة الضبعة النووية سيكون له مردود اقتصادي وتنموي كبير، باعتباره أحد أهم مشروعات الطاقة النظيفة التي تعتمد عليها الدولة لتلبية احتياجات التنمية المستقبلية.
ويمثل تركيب وعاء ضغط المفاعل نقطة تحول رئيسية في مراحل إنشاء الوحدة النووية الثانية، إذ تأتي هذه الخطوة بعد الانتهاء من تنفيذ العديد من الأعمال الإنشائية والهندسية وفق أعلى معايير الأمان والجودة العالمية، بما يعكس حجم الإنجاز الذي تحقق داخل المشروع خلال الفترة الماضية.
ويعد وعاء ضغط المفاعل من أكبر وأهم المعدات النووية بالمحطة، إذ يتم تصنيعه وفق مواصفات هندسية دقيقة للغاية، ويتحمل درجات حرارة وضغوطًا مرتفعة للغاية طوال العمر التشغيلي للمفاعل، كما يحتوي على قلب المفاعل الذي يضم الوقود النووي، وتتم داخله عملية إنتاج الحرارة التي تستخدم في تحويل المياه إلى بخار يدير التوربينات لتوليد الكهرباء.
ويؤكد الوصول إلى مرحلة تركيب وعاء الضغط أن المشروع تجاوز عددًا كبيرًا من المراحل الإنشائية المعقدة، وبدأ في الانتقال تدريجيًا إلى مراحل تركيب المعدات النووية الرئيسية، وهو ما يعكس الالتزام الكامل بالخطة الزمنية للتنفيذ، والتنسيق المستمر بين هيئة المحطات النووية وشركة “روساتوم” الروسية المنفذة للمشروع.
وتحظى محطة الضبعة النووية باهتمام كبير من القيادة السياسية، باعتبارها أحد المشروعات القومية العملاقة التي تستهدف تنويع مصادر إنتاج الكهرباء وتعزيز أمن الطاقة في مصر، في ظل الزيادة المستمرة في معدلات الطلب على الكهرباء، والتوسع في المشروعات الصناعية والعمرانية والزراعية.
وتتكون محطة الضبعة من أربع وحدات نووية بقدرة إجمالية تبلغ 4800 ميجاوات، بواقع 1200 ميجاوات لكل وحدة، باستخدام مفاعلات من الجيل الثالث المطور (VVER-1200)، التي تعد من أكثر المفاعلات تطورًا على مستوى العالم، لما تتميز به من مستويات عالية من الأمان النووي وأنظمة الحماية السلبية والفعالة التي تضمن التشغيل الآمن حتى في الظروف الطارئة.
ويمثل المشروع النووي المصري أحد أهم أدوات تحقيق رؤية الدولة للتنمية المستدامة، إذ يسهم في توفير مصدر مستقر وآمن للكهرباء على مدار الساعة، بعيدًا عن تقلبات أسعار الوقود التقليدي، كما يدعم استقرار الشبكة الكهربائية ويعزز قدرة الدولة على تلبية احتياجاتها المستقبلية من الطاقة.
كما يساهم المشروع في خفض الانبعاثات الكربونية، في إطار التزام مصر بخطط التحول نحو الاقتصاد الأخضر، حيث تعد الطاقة النووية من مصادر الطاقة النظيفة منخفضة الانبعاثات، وهو ما يساعد في تحقيق مستهدفات الدولة المتعلقة بالحياد الكربوني والتوسع في استخدام مصادر الطاقة غير التقليدية.
ولا تقتصر أهمية المشروع على إنتاج الكهرباء فقط، بل تمتد إلى دعم التنمية الصناعية، من خلال توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة النووية، وزيادة نسبة المكون المحلي في تنفيذ المشروع، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام الشركات المصرية للمشاركة في تصنيع المعدات والأعمال الهندسية، ونقل التكنولوجيا والخبرات الحديثة إلى السوق المحلية.
كما يوفر المشروع آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، سواء خلال مرحلة الإنشاء أو التشغيل، إلى جانب إعداد كوادر مصرية متخصصة في المجالات النووية من خلال برامج تدريب متقدمة تنفذ بالتعاون مع الجانب الروسي، بما يسهم في بناء جيل جديد من الخبراء والمهندسين والفنيين القادرين على إدارة وتشغيل المحطات النووية وفق أحدث المعايير الدولية.
وترجع بداية المشروع إلى توقيع الاتفاق الحكومي بين مصر وروسيا في نوفمبر 2015 لإنشاء محطة الضبعة النووية، قبل أن تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ في ديسمبر 2017، وتتولى شركة “روساتوم” الروسية تنفيذ أعمال التصميم والهندسة والتوريد والإنشاء، بالإضافة إلى توريد الوقود النووي، وتقديم الدعم الفني خلال السنوات الأولى من التشغيل، مع تنفيذ برامج تدريب وتأهيل الكوادر المصرية.
ويأتي المشروع في إطار استراتيجية الدولة لتنويع مزيج الطاقة، وعدم الاعتماد على مصدر واحد لإنتاج الكهرباء، بما يعزز أمن الطاقة ويرفع كفاءة منظومة الكهرباء الوطنية، خاصة مع التوسع الكبير في المدن الجديدة والمشروعات القومية ومناطق التنمية الصناعية.
ومع اقتراب تنفيذ عملية تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الثانية، يواصل مشروع محطة الضبعة تحقيق تقدم ملموس في مختلف مراحل التنفيذ، بما يؤكد أن البرنامج النووي المصري يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافه، وأن المشروع يمثل استثمارًا استراتيجيًا طويل الأجل يدعم الاقتصاد الوطني، ويعزز مكانة مصر كدولة تمتلك برنامجًا نوويًا سلميًا يعتمد على أحدث التقنيات العالمية، ويوفر مصدرًا مستدامًا وآمنًا للطاقة للأجيال المقبلة.


