أكد الدكتور أمجد الوكيل، رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق، أن المكسب الاستراتيجي الأكبر لمشروع محطة الضبعة النووية لا يتمثل فقط في إنشاء أول محطة نووية لإنتاج الكهرباء في مصر، وإنما في نجاح الدولة في تأسيس مدرسة نووية وطنية متكاملة قادرة على بناء الكفاءات البشرية، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة النووية، بما يضمن استدامة البرنامج النووي المصري لعقود طويلة.
وأوضح الوكيل، في تصريحات بمناسبة الاحتفال بتركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الثانية بحضور رئيس مجلس الوزراء، أن هذا الحدث يمثل محطة فارقة في مسيرة تنفيذ المشروع، ويؤكد أن الضبعة تجاوزت مرحلة إنشاء محطة لإنتاج الكهرباء لتصبح مشروعًا استراتيجيًا لبناء القدرات الوطنية ونقل المعرفة وفق أعلى المعايير الدولية.
وقال إن مشروع الضبعة أصبح اليوم نموذجًا وطنيًا متكاملًا يجمع بين تنفيذ مشروع نووي عملاق وإعداد كوادر مصرية تمتلك الخبرة اللازمة للمشاركة في تصميم وإنشاء وتشغيل وإدارة المحطات النووية، سواء داخل مصر أو في المشروعات النووية المستقبلية على المستويين الإقليمي والدولي.
وأشار إلى اعتزازه بالمشاركة، مع زملائه في هيئة المحطات النووية ثم من خلال عضويته بالجهاز التنفيذي للإشراف على مشروعات إنشاء المحطات النووية، في وضع اللبنات الأولى لهذه المدرسة الوطنية، التي ستظل أحد أهم الآثار الاستراتيجية التي سيتركها مشروع الضبعة للأجيال القادمة.
الاستثمار في الإنسان قبل التكنولوجيا
وأكد الوكيل أن رؤية الدولة منذ انطلاق المشروع استندت إلى قناعة راسخة بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان المصري، باعتباره العنصر القادر على تشغيل المحطات النووية وإدارتها والحفاظ عليها وتطويرها ونقل خبراتها إلى الأجيال المقبلة.
وأضاف أن هيئة المحطات النووية تبنت استراتيجية متكاملة لبناء القدرات البشرية، ارتكزت على أربعة محاور رئيسية، شملت التدريب المحلي بالتعاون مع الاستشاري الفني الدولي والجهات الوطنية، والتدريب الخارجي بالتعاون مع الجانب الروسي والوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب التدريب العملي أثناء تنفيذ المشروع، فضلًا عن إعداد كوادر قيادية قادرة على إدارة وتشغيل المحطات النووية وفق أعلى المعايير العالمية.
وأوضح أن هذه الاستراتيجية أثمرت عن إعداد مئات المهندسين والخبراء المصريين الذين اكتسبوا خبرات متقدمة في مراجعة التصميمات الهندسية، والإشراف على التنفيذ، وضمان الجودة، وإدارة المشروعات، والأمان النووي، والاستعداد للتشغيل، وهو ما انعكس بصورة واضحة في تنامي الدور الذي تؤديه الكفاءات المصرية في مختلف مراحل تنفيذ المشروع.
توطين التكنولوجيا والصناعة الوطنية
وفيما يتعلق بتوطين التكنولوجيا، أكد الوكيل أن الدولة وضعت منذ البداية خطة واضحة لتعظيم مشاركة الصناعة الوطنية في تنفيذ المشروع، عبر دمج عشرات الشركات المصرية في سلاسل الإمداد الخاصة بالمحطة، مع وضع مستهدفات متدرجة لزيادة نسبة المكون المحلي من وحدة إلى أخرى.
وأشار إلى أن نسبة المكون المحلي المستهدفة لا تقل عن 20% في الوحدة النووية الأولى، وترتفع إلى 35% في الوحدة النووية الرابعة، بما يعكس توجهًا واضحًا نحو بناء قاعدة صناعية مصرية قادرة على تلبية متطلبات الصناعة النووية.
وأوضح أن مفهوم توطين التكنولوجيا لا يقتصر على تصنيع بعض المعدات محليًا، وإنما يمتد إلى نقل المعرفة الفنية، وتأهيل الموردين، وتطوير القدرات الصناعية، وبناء منظومة وطنية متكاملة تستطيع المنافسة والمشاركة في المشروعات النووية المستقبلية داخل مصر وخارجها.
رسالة ثقة في مستقبل البرنامج النووي
واعتبر رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق أن الاحتفال بتركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الثانية يبعث برسالة واضحة تؤكد أن البرنامج النووي المصري يسير وفق الجدول المخطط له، وأن ما تحقق حتى الآن يمثل ثمرة رؤية استراتيجية تبنتها الدولة منذ اللحظة الأولى، تقوم على بناء الإنسان المصري، ونقل التكنولوجيا، وتعظيم مساهمة الصناعة الوطنية.
وأضاف أن ما تشهده مصر اليوم يمثل ترجمة عملية لرؤية القيادة السياسية، التي لم تستهدف إنشاء أربع وحدات نووية لإنتاج الكهرباء فقط، بل وضعت نصب أعينها تأسيس صناعة نووية مصرية متكاملة، وإعداد أجيال جديدة من الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة البرنامج النووي المصري لعقود مقبلة.
وشدد الوكيل على أن مدرسة الضبعة النووية أصبحت اليوم واقعًا ملموسًا، وأن ما تحقق من تدريب وتأهيل ونقل للخبرات وتوطين للتكنولوجيا يمثل استثمارًا استراتيجيًا طويل الأجل، ستكون ثماره أكبر بكثير من إنتاج الكهرباء، إذ يضع مصر على خريطة الدول المالكة للخبرات النووية القادرة على تنفيذ وإدارة المشروعات النووية الكبرى بكفاءات وطنية خالصة.


