تواصل بعض السفن التجارية وناقلات النفط عبور مضيق هرمز رغم تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة، لكن هذه المرة بطريقة مختلفة؛ إذ تلجأ إلى تعطيل أنظمة التعرف الآلي (AIS) التي تتيح تتبع مسارها، في محاولة لتقليل مخاطر الاستهداف أثناء المرور عبر أحد أهم الممرات المائية في العالم، بحسب ما نقلته وكالة بلومبرج، في تطور يعكس حجم القلق الذي يسيطر على قطاع النقل البحري العالمي.
ويعد مضيق هرمز شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال من دول الخليج إلى الأسواق العالمية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة داخله ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة وأسعار الشحن والتأمين.
وخلال الأيام الأخيرة، أظهرت بيانات تتبع السفن انخفاضًا ملحوظًا في حركة العبور، بينما فضلت بعض السفن الإبحار دون بث إشارات نظام التتبع، فيما يعرف بعمليات الإبحار “المظلم”، لتجنب الكشف عن مواقعها في ظل المخاطر الأمنية المتزايدة.
ويعمل نظام التعرف الآلي (AIS) على إرسال بيانات السفينة بشكل مستمر، متضمنة موقعها وسرعتها واتجاهها، بما يساهم في منع التصادم وتنظيم حركة الملاحة. إلا أن تعطيل هذا النظام، رغم أنه يزيد من مخاطر الملاحة، أصبح خيارًا تلجأ إليه بعض الشركات عندما ترتفع التهديدات الأمنية إلى مستويات غير مسبوقة.
ويرى خبراء الشحن البحري أن هذا السلوك يعكس تغيرًا واضحًا في قواعد العمل داخل المنطقة، حيث أصبحت الأولوية لسلامة السفن والأطقم حتى وإن كان ذلك على حساب سهولة مراقبة حركة الملاحة أو زيادة مخاطر الحوادث البحرية.
كما أدى التصعيد العسكري الأخير إلى تراجع أعداد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياتها منذ عدة أسابيع، في وقت فضلت فيه شركات شحن تأجيل رحلات أو تغيير مساراتها لحين اتضاح المشهد الأمني.
وفي المقابل، لا تزال بعض الناقلات تواصل العبور لتلبية احتياجات الأسواق العالمية من النفط والغاز، خاصة مع استمرار الطلب المرتفع من الاقتصادات الكبرى، إلا أن تلك العمليات تتم وفق ترتيبات أمنية أكثر تعقيدًا مقارنة بالفترات السابقة.
وتواجه شركات التأمين البحري بدورها ضغوطًا كبيرة، إذ ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بصورة ملحوظة، بينما أوصت بعض شركات التأمين بإعادة تقييم الرحلات أو تأجيلها مؤقتًا في ظل استمرار الهجمات على السفن التجارية وارتفاع مستوى التهديدات.
ويؤكد محللون أن استمرار تعطيل أجهزة التتبع قد يزيد من تعقيد المشهد البحري، ليس فقط بسبب صعوبة متابعة حركة السفن، وإنما أيضًا لزيادة احتمالات وقوع حوادث تصادم، خاصة في أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا على مستوى العالم.
كما ينعكس تباطؤ حركة الملاحة في مضيق هرمز على سلاسل الإمداد العالمية، إذ يؤدي إلى تأخير وصول شحنات النفط والغاز، ورفع تكاليف النقل البحري، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على أسعار الطاقة والسلع في الأسواق الدولية.
وتراقب أسواق النفط التطورات عن كثب، حيث ينظر المستثمرون إلى أي اضطراب في مضيق هرمز باعتباره عاملًا مباشرًا يدعم ارتفاع أسعار الخام، نظرًا للأهمية الاستراتيجية للممر الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الخليج.
ويرى مراقبون أن استمرار التوترات قد يدفع مزيدًا من السفن إلى اعتماد سياسة “الإبحار المظلم”، وهو ما يزيد من صعوبة تقييم الحركة الفعلية داخل المضيق، ويحد من قدرة الأسواق على تقدير حجم الإمدادات المتدفقة يوميًا.
وفي الوقت نفسه، تواصل الجهات البحرية الدولية متابعة الأوضاع بشكل مستمر، مع إصدار تحذيرات ملاحية وتحديثات للسفن العاملة في المنطقة، لحثها على اتخاذ أعلى درجات الحيطة واتباع التعليمات الأمنية خلال العبور.
ويؤكد خبراء الطاقة أن أمن الملاحة في مضيق هرمز لا يمثل قضية إقليمية فحسب، بل يرتبط بشكل مباشر باستقرار الاقتصاد العالمي، إذ إن أي تعطيل طويل الأمد لحركة السفن قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في أسواق النفط والغاز، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، بما ينعكس على معدلات التضخم وأسعار الطاقة في مختلف دول العالم.


