في ظل تصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، وعودة الحديث بقوة عن استهداف المنشآت النووية، يبرز مفاعل ديمونة النووي كأحد أخطر الملفات التي تفرض نفسها على أجندة الأمن القومي في المنطقة، فالمفاعل، الذي لا يبعد سوى عشرات الكيلومترات عن الحدود المصرية، ليس مجرد منشأة نووية تقليدية، بل نقطة حساسة قد تتحول، في حال تعرضها لأي هجوم – إلى مصدر قلق بيئي وإشعاعي واسع النطاق.
ورغم تصاعد المخاوف الشعبية وربط البعض بين أي استهداف محتمل وسيناريوهات كارثية على غرار كارثة تشيرنوبل، فإن الحقائق العلمية والفنية تطرح صورة أكثر دقة وتعقيدًا، تتحكم فيها عوامل حاسمة مثل طبيعة الضربة، وأنظمة الأمان، واتجاهات الرياح، وحركة المياه الجوفية.
في هذا التقرير، يوضح الدكتور طارق عبد العزيز، خبير الصراعات النووية، السيناريوهات المحتملة لأي استهداف لمفاعل ديمونا، وحدود تأثيرها الفعلي، والإجابة العلمية الواضحة على السؤال الأهم:
هل يمكن أن تمتد تداعيات أي حادث إلى مصر، أم أن المخاوف المتداولة مبالغ فيها؟
أكد الدكتور طارق عبد العزيز خبير الصراعات النووية، أن مفاعل ديمونة النووي يقع في صحراء النقب على بعد ما يقارب 70–80 كم من الحدود المصرية، و400 كيلومتر من القاهرة، وهو مفاعل قديم من الجيل الأول بالتعاون مع فرنسا يعود لسنة ١٩٥٨ وبدأ العمل الفعلي به سنة 1963، ويُعتقد أنه يستخدم لإنتاج مواد نووية عسكرية.
هذا القرب الجغرافي يجعل أي حادث فيه سواء عسكري أو تقني قضية أمن قومي بيئي على المنطقة العربية.
أولًا: في حالة قصف المفاعل
لا يحدث انفجار نووي مثل القنبلة النووية، بل يحدث إطلاق نظائر مشعة أهمها:
اليود-131 المشع (وتأثيره سريع على الغدة الدرقية)
السيزيوم-137 والإسترانشيوم-90 (ويحدثان تلوث طويل المدى حتى 30 سنة)
حيث يتم انتقال الإشعاع عبر الهواء وتنقله السحب الإشعاعية ثم يحدث الترسيب الأرضي، ثم إلى المياه الجوفية.
هذه المواد المشعة يمكن أن تنتقل مئات الكيلومترات حسب الرياح.
ثانيًا: السيناريوهات العسكرية المحتملة لضرب ديمونة
السيناريو الأول (ضربة محدودة – الأكثر احتمالًا): في حالة استهداف منشآت خارج مفاعل ديمونة دون اختراق قلب المفاعل، ينتج عنه تسرب إشعاعي ضعيف أو معدوم، وتأثيره محلي داخل إسرائيل فقط، وفي هذه الحالة لا يوجد تأثير على مصر بأي شكل من الأشكال.
السيناريو الثاني (تعطيل أو ضرب أنظمة التبريد): وضرب مولدات الكهرباء المرتبطة بالمفاعل، وهذا يؤدي إلى ارتفاع الحرارة وانصهار جزئي داخل المفاعل، وينتج عنه إطلاق متوسط للإشعاع، وإطلاق سحابة إشعاعية منخفضة الارتفاع، وهذا التأثير قد يصل إلى الأردن وشمال السعودية.
السيناريو الثالث (اختراق قلب المفاعل):
من خلال قصفه بقنبلة تخترق الاحتواء الداخلي وإحداث انفجار كبير وإحداث حريق في الوقود النووي، ينتج عنه سحابة إشعاعية كبيرة تشبه “قنبلة قذرة ضخمة”، وهو ما يرفع معدلات السرطان إقليميًا.
السيناريو الرابع (ضرب مخازن الوقود المستهلك):ويُعد الأخطر من حيث التلوث طويل المدى، وينتج عنه تلوث التربة والمياه لعقود، وتصبح هذه المناطق غير صالحة للسكن.
ثالثًا: اتجاه الرياح وهو العامل الحاسم والرئيسي
أكد خبير الصراعات النووية، إن الاتجاهات السائدة للرياح في المنطقة أغلب أيام السنة (90٪) تكون غربية شرقية، بما يعني اتجاهها من البحر الأبيض المتوسط نحو الأردن والعراق والخليج، ومن مصر إلى إسرائيل، وبذلك فإن الإشعاع لن يصل إلى مصر.
أما الحالات الخطرة لمصر فهي أن تكون رياح شرقية أو شمالية شرقية (من إسرائيل إلى مصر).
رابعًا: توزيع التأثير جغرافيًا
داخل إسرائيل وهو الأشد خطرًا في مساحة قطرها حتى 50 كم، واحتمال إخلاء كامل في الأردن وفلسطين حسب اتجاه الرياح، كما يحدث خطر متوسط إلى مرتفع في شمال السعودية.
كما يحدث تعرض متوسط وتلوث هوائي مؤقت في المناطق المحيطة بالمفاعل.
والسيناريو الأسوأ لمصر هو حدوث تلوث خفيف في صحراء النقب، أما منطقة القناة والدلتا فإن الآثار ستكون ضعيفة جدًا.
خامسًا: تأثير المياه الجوفية والبحر
بالنسبة للمياه الجوفية فإن المياه الجوفية تنحدر من مصر إلى إسرائيل وليس العكس، بما يعني أن التلوث يحدث إذا تسرب الإشعاع إلى الأرض حيث ينتشر ببطء شديد جدًا ويكون تأثيره محلي داخل إسرائيل ولا يصل لمصر أبدًا.
أما بالنسبة للبحر الأبيض المتوسط، فإن احتمال وصول التلوث يكون عبر الأمطار، والتأثير هنا محدود جدًا ويتلاشى بسرعة بسبب التخفيف.
السؤال الذي يطرحه الجمهور:
هل لو تم قصف مفاعل ديمونة يحدث كارثة مثل كارثة تشيرنوبل؟
الإجابة:
لا.. لن تحدث كارثة مثل تشيرنوبل، لأن العوامل التي ذكرناها هي من تحكم التأثيرات الإشعاعية، سواء اتجاه الرياح وسرعتها وانحدار المياه الجوفية، وهما يتجهان من مصر إلى إسرائيل.


