في ظل التحديات العالمية المتصاعدة الناتجة عن تغير المناخ، تتجه مصر بقوة نحو تبني نموذج المصانع الخضراء كخيار استراتيجي لمواجهة التداعيات البيئية والاقتصادية، حيث تسلط هذه التجربة الضوء على تحول نوعي في مسار التنمية المستدامة، يجمع بين خفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة المصرية، خاصة في ظل المتطلبات البيئية الصارمة للأسواق الدولية وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، دون إغفال حجم التهديدات المناخية التي تضغط على مختلف قطاعات التنمية عالميًا.
تغير المناخ.. التهديد الأكبر عالميًا
قال الدكتور أحمد الشناوي، خبير الطاقة الكهربائية، إن تغير المناخ يعد أحد أهم القضايا التي تحظى بالاهتمام على المستوى العالمي، حيث يعزى ذلك بشكل كبير إلى التهديدات التي تفرضها آثاره على كافة قطاعات التنمية في دول العالم، والتي تتمثل أبرز ظواهرها في:
ارتفاع مستوى سطح البحر، والأحداث المناخية الجامحة من أعاصير وسيول وفيضانات مدمرة، وموجات حرارة وبرودة قارسـة، أدت إلى العديد من الخسائر البشرية والاقتصادية، وارتفاع معدلات الفقر وغيرها من التأثيرات.
المصانع الخضراء.. قاطرة التنمية المستدامة
وأضاف أن الكثير من دول العالم بدأت بالفعل في التحول نحو المصانع الخضراء، نظرًا لما تمثله من ضرورة حتمية لمواجهة تغير المناخ والحد من الاحتباس الحراري وتعزيز الاستدامة البيئية، حيث تمثل الصناعة الخضراء قاطرة رئيسية للتنمية المستدامة، وتشمل مختلف القطاعات التي تُسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية وحماية البيئة، وتلعب دورًا محوريًا في هذا التحول العالمي.
كيف تعمل المصانع الخضراء في مصر؟
وأوضح أن المصانع الخضراء في مصر تقوم على تبني إنتاج مستدام وصديق للبيئة، يستهدف تقليل البصمة الكربونية والحد من الانبعاثات الضارة إلى أقصى حد، وذلك من خلال الاعتماد على الطاقة الجديدة والمتجددة عبر إنشاء محطات طاقة شمسية داخل المصانع، بالإضافة إلى إعادة تدوير مخلفات الإنتاج، وترشيد استخدام المياه ومعالجتها لإعادة استخدامها مرة أخرى، مع استخدام مواد أولية صديقة للبيئة قابلة لإعادة التدوير، إلى جانب تصميم مبانٍ موفرة للطاقة تعتمد على الإضاءة الطبيعية واستخدام لمبات LED الموفرة للطاقة الكهربائية.
ميزة تنافسية وفرص تصدير لأوروبا
وأشار إلى أن المصانع الخضراء في مصر تتمتع بميزة تنافسية مهمة، حيث تتيح لها فرصًا أكبر للتصدير إلى الاتحاد الأوروبي، من خلال الالتزام بالمعايير الأوروبية الجديدة، وتجنب رسوم الكربون التي تُفرض على المنتجات ذات البصمة الكربونية المرتفعة.
تمويل دولي ضخم لدعم التحول الأخضر
وفي هذا السياق، شهدت العاصمة الإدارية الجديدة في نوفمبر 2025 انطلاق مؤتمر رفيع المستوى حول برنامج الصناعة الخضراء المستدامة (GSI)، حيث تم الإعلان عن تمويل بقيمة 271 مليون يورو من خلال بنك الاستثمار الأوروبي، والوكالة الفرنسية للتنمية، والاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع الحكومة الفرنسية.
كما تم خلال المؤتمر الإعلان عن اتفاقيات تمويل ميسر ومنح بقيمة تتجاوز 60 مليون يورو لدعم التحول الأخضر، بالإضافة إلى إطلاق “السجل البيئي الصناعي” في ديسمبر 2025، والذي يستهدف قياس حجم الانبعاثات الكربونية داخل القطاع الصناعي.
الطاقة المتجددة.. ركيزة التحول الأخضر
وأكد أن الحكومة المصرية تعمل على تحقيق هذه الأهداف من خلال عدة مسارات، يأتي في مقدمتها التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، حيث تم تنفيذ مشروعات عملاقة لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، من بينها محطة بنبان بأسوان بقدرة 1584 ميجاوات، ومحطة أبيدوس 1 بقدرة 500 ميجاوات، وأبيدوس 2 بقدرة 1000 ميجاوات، ومشروع أوبليسك بقدرة 1000 ميجاوات، مع استهداف الوصول بنسبة الطاقة المتجددة إلى نحو 40% من إجمالي الطاقة الكهربائية بحلول عام 2030، في إطار تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.
النقل الأخضر.. مستقبل التنقل في مصر
وأضاف أن المسار الثاني يتمثل في التوسع في النقل الأخضر أو النظيف، والذي يعتمد على الجر الكهربائي، مثل السيارات والأتوبيسات الكهربائية، حيث بدأت وزارة الإنتاج الحربي بالتعاون مع إحدى الشركات المصرية في إنتاج السيارات الكهربائية، مع إنشاء مراكز لشحنها، فضلًا عن انتشار الأتوبيسات الكهربائية في القاهرة والإسكندرية وشرم الشيخ، وجارٍ تعميمها في باقي المحافظات.
كما تعمل وزارة النقل على تنفيذ مشروعات قومية تعتمد على الجر الكهربائي، مثل المونوريل، والقطار الكهربائي الخفيف، وقطار العين السخنة – العلمين، إلى جانب التوسع في إنشاء خطوط جديدة لمترو الأنفاق وتحديث ترام الإسكندرية.
تحول الصناعات الثقيلة إلى نموذج صديق للبيئة
وفي قطاع الصناعة، أشار إلى أن الدولة تدعم تحول الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الأسمنت والأسمدة والحديد والصلب، إلى صناعات صديقة للبيئة، من خلال التوسع في إنشاء محطات طاقة شمسية داخل المصانع، والعمل على تقليل الانبعاثات الكربونية.
الهيدروجين الأخضر.. وقود المستقبل
وفيما يتعلق بوقود المستقبل، أوضح أنه في نوفمبر 2022 تم افتتاح أول مصنع لإنتاج الهيدروجين الأخضر بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بالشراكة بين صندوق مصر السيادي وشركة سكاتك النرويجية، حيث ينتج المشروع نحو 15 ألف طن من الهيدروجين الأخضر، يتم استخدامه في تموين السفن عبر قناة السويس والتصدير إلى أوروبا، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري مثل الغاز الطبيعي والمازوت المستخدم في محطات الكهرباء التقليدية.


