في ظل عالمٍ يعاد تشكيله على وقع الأزمات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد، لم يعد السؤال: كيف نواجه الأزمة؟
بل أصبح: كيف نحولها إلى فرصة؟
هنا تبرز تصريحات المهندس إيهاب محمود، رئيس لجنة النقل واللوجستيات بحزب الجيل الديمقراطي، التي جاءت عبر لقاءاته التلفزيونية، وكذلك من خلال طرحه في عدد من المنصات الإعلامية والصحف القومية، كواحدة من أكثر الرؤى وضوحًا وجرأة في قراءة المشهد الاقتصادي الراهن، حيث يؤكد أن المرحلة لم تعد تحتمل مجرد إدارة أزمة، بل تتطلب إعادة تموضع دولة بالكامل.
وفي هذا السياق، يطرح محمود تحولًا جذريًا في فلسفة إدارة الاقتصاد، مؤكدًا أن مصر لم تعد تملك رفاهية الانتظار، وأن الأزمات لم تعد مجرد ضغوط ظرفية، بل لحظات نادرة لإعادة توزيع موازين القوة الاقتصادية. ومن هنا جاءت دعوته لاعتماد منهج “السيناريوهات المتعددة” (Plan A, B, C)، بما يضمن جاهزية الدولة للتحرك في أي اتجاه وفقًا لتطورات المشهد، وهو ما يعكس انتقالًا واضحًا من عقلية “تقليل الخسائر” إلى “تعظيم المكاسب”.
التصدير لم يعد يحتمل الحلول التقليدية
كما شدد على أن ملف التصدير لم يعد يحتمل الحلول التقليدية، بل يحتاج إلى إعادة هندسة شاملة تقوم على التحرك نحو أسواق بديلة بدلًا من الاعتماد على مسارات تقليدية معرضة للاضطراب، إلى جانب إنشاء منظومة تصدير مرنة تستجيب بسرعة للمتغيرات الدولية، وربط الإنتاج المحلي باحتياجات الأسواق العالمية بشكل لحظي. وطرح في هذا الإطار فكرة “غرف العمليات التصديرية”، التي تمثل نقلة نوعية في إدارة التجارة الخارجية، من خلال رصد الفرص الطارئة وتوجيه المنتج المصري إليها بشكل فوري.
وفيما يتعلق بدور مصر الإقليمي، أوضح محمود أن المرحلة الحالية تفرض التحول من مجرد ممر للتجارة إلى قوة لوجستية إقليمية متكاملة، بحيث لا تقتصر أهمية مصر على مرور التجارة عبرها، بل تمتد لإدارتها من داخلها، عبر منظومة تشمل إعادة التصدير، والتصنيع المرتبط بالخدمات اللوجستية، إلى جانب تخزين وتوزيع السلع الاستراتيجية، مستفيدًا من البنية التحتية التي تم تطويرها خلال السنوات الأخيرة.
أبرز الطروحات
ومن بين أبرز الطروحات التي قدمها، دعا محمود إلى إنشاء خطوط إمداد برية متكاملة تربط مصر بدول الخليج عبر ميناء جدة الإسلامي، في خطوة لا تستهدف فقط تسهيل حركة النقل، بل تحمل أبعادًا استراتيجية تتعلق بتأمين تدفق الحاصلات الزراعية المصرية لدول الخليج، وضمان وصول الأدوية ومستلزمات الإنتاج بشكل منتظم، إلى جانب تقليل الاعتماد على المسارات البحرية المتأثرة بالتوترات، وهو ما يعزز من دور مصر في منظومة الأمن الغذائي والدوائي بالمنطقة.
كما أكد أن نجاح هذه الرؤية يتطلب تحركًا حكوميًا سريعًا وفعالًا، من خلال تفعيل أدوات الدبلوماسية الاقتصادية، وتكثيف الجولات المكوكية مع دول الخليج، وتوقيع اتفاقيات تجارية مرنة وسريعة التنفيذ، إلى جانب إزالة العوائق أمام تدفق الصادرات المصرية، مستندًا إلى قوة العلاقات التي تربط مصر بأشقائها في المنطقة.
وفي إطار ما وصفه بـ “اقتصاد الأزمات”، دعا محمود إلى التركيز على القطاعات التي تشهد طلبًا متزايدًا في أوقات الاضطراب، مثل الخدمات اللوجستية، والتخزين الاستراتيجي، والصناعات الغذائية، وسلاسل الإمداد الدوائية، مؤكدًا أن هذه المجالات تمثل فرصًا استثمارية واعدة يمكن أن تفتح أسواقًا جديدة للاقتصاد المصري.
واختتم محمود رؤيته بالتأكيد على أن مصر لا تقف فقط أمام تحديات، بل أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها في المنطقة، مشددًا على أن الرهان لم يعد على القدرة على الصمود فقط، بل على القدرة على التقدم في لحظة يتراجع فيها الآخرون.
“الأزمات لا تصنع الخسائر فقط… بل تكشف من يملك شجاعة تحويلها إلى انتصار اقتصادي.”


