في واحدة من أكبر خطط التنمية الشاملة التي تنفذها الدولة المصرية، تشهد شبه جزيرة سيناء طفرة غير مسبوقة في قطاع الكهرباء والطاقة، حيث تحولت “أرض الفيروز” إلى خلية عمل عملاقة تضم محطات إنتاج وتوسعات في شبكات النقل ومشروعات للطاقة المتجددة والربط الكهربائي الإقليمي، باستثمارات تتجاوز عشرات المليارات من الجنيهات، في إطار رؤية الدولة لتحويل سيناء إلى مركز تنموي وصناعي وسياحي متكامل يعتمد على الطاقة النظيفة والمستدامة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور أحمد الشناوي خبير الطاقة الكهربائية، إن ما يحدث في سيناء يمثل “نقلة نوعية غير مسبوقة في تاريخ قطاع الكهرباء في مصر”، موضحًا أن ما يتم تنفيذه من محطات وربط كهربائي ومشروعات طاقة متجددة يعكس رؤية استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة وتحويل سيناء إلى محور إقليمي للطاقة.
مشروعات كهربائية عملاقة في سيناء تدعم الجمهورية الجديدة
تتنوع محطات إنتاج الكهرباء في مصر بين محطات بخارية أو غازية ودورة مركبة وهي تعمل بالوقود الأحفوري (الغاز الطبيعي أو المازوت)، ومحطات كهرومائية، ومحطات طاقة جديدة ومتجددة تشمل محطات تعمل بطاقة الرياح ومحطات تعمل بالطاقة الشمسية، بالإضافة إلى مشروع الضبعة النووية وهو قيد التنفيذ.
ويبلغ إنتاج الطاقة الكهربائية في مصر حوالي 65 ألف ميجا وات من جميع مصادر الطاقة المتاحة.
وتشهد شبه جزيرة سيناء طفرة استثمارية كبرى في قطاع الكهرباء والطاقة الجديدة والمتجددة، حيث تبلغ جملة الاستثمارات الجاري تنفيذها لتدعيم شبكات النقل وتوفير الطاقة الكهربائية للمشروعات القومية حوالي 24 مليار جنيه.
محطات إنتاج وتوسعات تضاعف القدرات 10 أضعاف
تضم شبه جزيرة سيناء عدة محطات حيوية لإنتاج الكهرباء، وقد شهدت في السنوات الأخيرة توسعات كبرى لزيادة القدرة الإنتاجية بمقدار 10 أضعاف عما كانت عليه.
وتتركز هذه المحطات في مدينة العريش، حيث يوجد محطة العريش الغازية بقدرة 250 ميجا وات ودخلت الخدمة أغسطس 2023، ومحطة العريش البخارية بقدرة 320 ميجاوات، ومحطة كهرباء شرم الشيخ بقدرة 288 ميجا وات.
كما تم إنشاء محطات محولات عملاقة مثل محطة سانت كاترين جهد 220 كيلوفولت، وإنشاء خطوط نقل الطاقة الكهربائية سواء خطوط هوائية أو كابلات أرضية لخدمة المناطق التنموية الجديدة، كما تم إحلال العدادات القديمة بعدادات كهرباء ذكية مسبوقة الدفع والعمل على تحسين جودة التغذية الكهربائية، واستثمرت الدولة حوالي 10 مليار جنيه لتحديث وتجديد الشبكة الكهربائية بشمال وجنوب سيناء.
ربط كهربائي إقليمي يعزز مكانة مصر
جاري العمل على الانتهاء من تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع الربط الكهربائي بين مصر والمملكة العربية السعودية الذي يمر عبر سيناء ليصل إجمالي الطاقة الكهربائية حوالي 3000 ميجا وات بعد دخول المرحلة الأولى الخدمة بقدرة 1500 ميجا وات، وجاري العمل على رفع القدرة الكهربائية لمشروع الربط الكهربائي مع المملكة الأردنية.
سيناء تتحول إلى مركز للطاقة النظيفة
تشهد شبه جزيرة سيناء طفرة كبيرة في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة كجزء من استراتيجية مصر الوطنية للطاقة المستدامة بهدف تحويلها إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة، والاستفادة من سرعات الرياح العالية التي تصل إلى 14 متر في الثانية، وهي سرعة مثالية كما يتضح من أطلس الرياح، مع توافر مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية لإنشاء محطات طاقة رياح دون التعدي على الرقعة الزراعية والسكنية.
وجاري العمل على إنشاء أول مزرعة رياح في العريش بشمال سيناء، ومن المخطط الانتهاء منها هذا العام.
الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر يقودان المستقبل
يبلغ عدد ساعات السطوع الشمسي حوالي 8 ساعات يوميًا مع كثافة ممتازة للشعاع الشمسي، وهو ما يجعل أرض الفيروز مكانًا مثاليًا لإنشاء محطات الطاقة الشمسية.
وتم تنفيذ العديد من محطات الطاقة الشمسية في مدينة شرم الشيخ، بالإضافة إلى إنشاء محطات طاقة شمسية فوق أسطح المنشآت الفندقية والمباني الحكومية، وهو ما جعل مدينة شرم الشيخ مقصدًا سياحيًا كبيرًا باعتبارها أول مدينة خضراء في مصر لاعتمادها على الطاقة النظيفة.
كما يجري التخطيط لإقامة مشروعات لإنتاج الهيدروجين الأخضر لتوافر مصادر إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ويأتي هذا التحرك ضمن خطة مصر للتحول نحو الاقتصاد الأخضر وتخزين الطاقة الكهربائية.
تنمية شاملة تدعم السكان والمشروعات
تساهم هذه المشروعات في دعم التنمية الصناعية والزراعية في سيناء، حيث تم توفير التغذية الكهربائية لـ 155 مشروعًا وتجمعًا تنمويًا، خاصة مشروعات الاستصلاح الزراعي في وسط وشمال سيناء، وإنشاء العديد من محطات تحلية المياه مثل محطة شرق بورسعيد بطاقة 150 ألف متر مكعب يوميًا لخدمة التجمعات السكنية والصناعية.
كما تم تنفيذ مجمعات سكنية وزراعية بدوية تتضمن خدمات كهرباء مستدامة مما يحسن جودة الحياة في المناطق النائية، ووفرت هذه المشاريع العديد من فرص العمل لأبناء سيناء.
استراتيجية مصر 2030 والتحول للطاقة المتجددة
تتماشى هذه المشروعات مع رؤية مصر 2030 لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، للوصول إلى أن تكون نسبة الطاقة الجديدة والمتجددة حوالي 40% من إجمالي الطاقة الكهربائية بحلول عام 2030.
شبكة كهرباء عملاقة تعبر القنوات والمجاري الملاحية
تعمل وزارة الكهرباء من خلال خطة استراتيجية ومشروعات عملاقة لزيادة ربط سيناء بالشبكة الكهربائية، حيث يتم نقل الطاقة الكهربائية لسيناء عبر جهد 500 كيلوفولت لزيادة الطاقة المنقولة مما يعزز استقرار واتزان الشبكة الكهربائية في سيناء.
ويتم الربط عبر خطوط هوائية تعبر قناة السويس، وتم إنشاء برجين لعبور قناة السويس بارتفاع 221 متر وهو أعلى ارتفاع للأبراج الكهربائية في مصر، مما يسمح بمرور السفن بأمان للمجرى الملاحي لقناة السويس، ويتم الربط أيضًا عبر كابلات أرضية تمر عبر أنفاق أسفل المجرى الملاحي.
الكهرباء.. شريان التنمية في سيناء
ختامًا، لا يمكن فصل نهضة سيناء عن توفر الطاقة، فالمشروعات الكهربائية العملاقة التي نفذتها الدولة المصرية ليست مجرد بنية تحتية بل هي شرايين الحياة التي تضخ التنمية في أرض الفيروز.
إن تعزيز قدرة الشبكة الكهربائية في سيناء الحبيبة وتطوير محطات إنتاج الكهرباء وإنشاء مشروعات الطاقة الشمسية والرياح يمثل ركيزة أساسية لتحويل سيناء إلى مركز صناعي وزراعي وسياحي، مما يضمن استدامة التنمية وتحسين مستوى معيشة المواطنين وتثبيت أركان الأمن القومي المصري.
وفي النهاية، فإن الاستثمار الذي تجاوز مليارات الجنيهات في قطاع كهرباء سيناء يثبت أن الدولة تضع تنمية سيناء على رأس أولوياتها، وهذه المشروعات هي البوابة لجذب الاستثمارات وتشغيل المصانع وإنجاح مشروعات تحلية المياه، مما يجعل من الكهرباء المحرك الرئيسي لتحقيق حلم التنمية الشاملة وجعل سيناء جزءًا لا يتجزأ من الجمهورية الجديدة.


