في سوقٍ مزدحمٍ بالتنافسية، يبرز الرهان الحقيقي على “الهوية” و”الجودة” كحجر زاوية لبناء ثقة مستدامة مع المستهلك من هذا المنطلق، كشف باسم منتصر، مؤسس علامة “مخللاية” للمخللات والمقبلات، عن تفاصيل رحلته التي انطلقت من جذور عائلية ضاربة في عمق التاريخ، لتتحول إلى مشروع برؤية عصرية تدمج بين التخليل الطبيعي والابتكار التسويقي، معتبرًا الزبون “شريك نجاح” وليس مجرد مشترٍ.
*إرث يمتد لقرن: من “الغورية” إلى “مخللاية”*
يؤكد منتصر أن علاقته بالمهنة ليست وليدة الصدفة، بل هي امتداد لإرث عائلي بدأ منذ عام 1910 في محل “مخللات النسر” الشهير بحي الغورية العريق. ومن هذا التاريخ الممتد لأكثر من 115 عاماً، خرجت فكرة “مخللاية” كعلامة تجارية مستقلة تحمل رؤية باسم الخاصة، مع الحفاظ على “سر الصنعة” وروح الحرفة التقليدية التي توارثتها الأجيال.
ويشير إلى أن التحدي الأكبر تمثّل في تقديم اسم جديد لسوق تعتمد كلياً على السمعة، قائلاً:
“إطلاق براند جديد كان مخاطرة، لكن الجودة فرضت نفسها، وأصبحت التوصية الشخصية من عميل لآخر هي محركنا الأساسي للانتشار محلياً وعربياً”.
*فلسفة “التخليل الطبيعي”: صحة ومذاق*
وعن سر التميز، أوضح منتصر أن “مخللاية” تعتمد حصرياً على التخليل الطبيعي (ماء وملح فقط)، رافضاً الحلول الكيميائية السريعة. وأضاف: “هذه الطريقة تضمن وجود البكتيريا النافعة (البروبيوتيك)، مما يحول المخلل من مجرد فاتح للشهية إلى منتج ذي قيمة غذائية عالية”. كما شدد على أن التميز يبدأ من انتقاء أجود أنواع الخضروات والتوابل التي تُجهز بدقة متناهية بعيداً عن العشوائية.
*الابتكار.. المخلل كعنصر أساسي وليس جانبيًا*
لم يكتفِ المشروع بالأصناف التقليدية، بل اقتحم مجالات ابتكارية مثل “مخلل سبريد”، وهي فكرة تستهدف دمج المخللات كعنصر أساسي داخل “الساندويتشات” والوجبات الحديثة، بدلاً من كونها طبقاً ثانوياً يُوضع بجانب الطعام، مما يواكب تغير نمط الاستهلاك لدى الأجيال الجديدة.
*رؤية إدارية: الجودة قبل الانتشار*
على عكس تيار التوسع السريع، يتبنى باسم منتصر استراتيجية “الكيف قبل الكم”، حيث يضع تجربة الزبون داخل المكان كأولوية قصوى. ويقول:
“لا أبحث عن كثرة الفروع بقدر بحثي عن الحفاظ على الروح الأصلية للمشروع والعلاقة المباشرة مع العملاء. النجاح الحقيقي هو أن يظل المنتج محتفظاً بجودته دون أن تبتلعه الميكنة أو التوسع العشوائي”.
*”سياحة الطعام”.. فرصة مصر الضائعة*
وفي رؤية استشرافية، طرح منتصر مفهوم “سياحة الطعام” كفرصة ذهبية لدعم الاقتصاد المصري، مؤكداً أن المطبخ الشعبي المصري يمتلك مقومات تجعله عنصر جذب سياحي عالمي، تماماً كما فعلت دول كبرى وظفت أكلاتها المحلية كجزء من قوتها الناعمة.
*تحديات السوق ومبادرات مجتمعية*
لم يغفل منتصر الحديث عن التحديات، وعلى رأسها ارتفاع تكاليف الإنتاج والخامات المساعدة، مؤكداً أنه يعمل على “امتصاص” هذه الزيادات قدر الإمكان لضمان عدم تحميل المستهلك أعباءً إضافية. كما استعرض نجاح مبادرة “كرنفال مخللاية”، التي تحولت من فكرة ترويجية بسيطة إلى فعالية مجتمعية كبرى تجمع مختلف العلامات التجارية والمطاعم في احتفالية غذائية فريدة.
وختاما فإن تجربة “مخللاية” تتجاوز كونها مشروعاً لبيع المقبلات، لتصبح نموذجاً حياً لكيفية تحويل الموروث الشعبي إلى “براند” عالمي يراهن على الصحة والابتكار، ويعيد صياغة علاقة المصريين بطبق المخلل التاريخي.


