في لحظة فارقة تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد المصري، يبرز قطاعا العقارات والمقاولات بوصفهما ركيزتين أساسيتين في معادلة النمو، مدفوعين باستثمارات ضخمة في البنية التحتية وتوسع عمراني غير مسبوق. ومن داخل هذا المشهد المتحرك، يطرح المهندس وسام طايل رؤية استراتيجية تتجاوز حدود التحليل إلى استشراف المستقبل، كاشفًا عن فرص واعدة، وتحديات حقيقية، ومسارات إصلاح ضرورية لضمان استدامة الزخم الحالي، وتحويله إلى قوة دفع اقتصادية ممتدة، خاصة في مدن الصعيد التي تدخل مرحلة جديدة من التحول التنموي.
العقار.. من نشاط تقليدي إلى محرك اقتصادي شامل
في قراءة عميقة لمشهد يتغير بوتيرة متسارعة، يؤكد المهندس وسام طايل، العضو المنتدب لمجموعة طايل جروب ورئيس مجلس أمناء مدينة أسيوط الجديدة، أن مصر تقف حاليًا أمام لحظة فارقة في تاريخ القطاع العقاري وقطاع المقاولات، لحظة تحمل في طياتها ملامح انطلاقة غير مسبوقة، مدفوعة بما تحقق على أرض الواقع من توسع ضخم في مشروعات البنية التحتية، وشبكات الطرق، والمدن الجديدة التي أعادت رسم الخريطة العمرانية للدولة.
ويشير طايل إلى أن العقار لم يعد نشاطًا تقليديًا قائمًا على البيع والشراء فقط، بل أصبح أحد أهم المحركات الاقتصادية القادرة على تحريك عجلة الاستثمار، وتوليد فرص العمل، ودعم التنمية الشاملة، لافتًا إلى أن هذا التحول النوعي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الجاذبية الاستثمارية، سواء على المستوى المحلي أو الخارجي، خاصة مع تحسن بيئة الأعمال ووضوح الرؤية التنموية للدولة.
“تصدير العقار”.. بوابة الدولار والاستثمار الأجنبي
وفي هذا السياق، يضع طايل ملف “تصدير العقار” في مقدمة أولويات المرحلة المقبلة، موضحًا أن المفهوم يتجاوز فكرة بيع وحدات للأجانب، ليصبح منظومة متكاملة تهدف إلى جذب المستثمر الأجنبي إلى المنتج العقاري المصري، بما يترتب على ذلك من تدفقات نقدية مباشرة بالعملة الأجنبية، فضلًا عن آثار غير مباشرة تشمل تنشيط السياحة، وتعظيم العائد الاقتصادي، وخلق مجتمعات عمرانية متكاملة. ويستشهد بنماذج المشروعات الكبرى التي تعكس هذا التوجه، والتي أثبتت أن المشروع العقاري يمكن أن يتحول إلى محرك اقتصادي وسياحي مستدام، لا مجرد استثمار في الأرض.
المقاولات المصرية.. قوة تنفيذية تتجه نحو العالمية
وبالتوازي مع هذا الطرح، يلفت إلى أن قطاع المقاولات المصري أصبح يمتلك اليوم رصيدًا قويًا من الخبرات والقدرات التنفيذية، اكتسبها عبر سنوات من العمل في مشروعات قومية عملاقة، خاصة في مجال البنية التحتية، وهو ما يجعله مؤهلًا للتوسع خارج الحدود، سواء في الأسواق العربية أو الأفريقية، مؤكدًا أن تصدير هذه الخبرات يمثل فرصة حقيقية لدعم الاقتصاد الوطني وزيادة موارد الدولة من العملة الأجنبية.
“العقد المتوازن”.. كلمة السر لضبط السوق
غير أن طايل لا يغفل التحديات، بل يضع يده على واحدة من أهم القضايا التنظيمية التي تحتاج إلى إعادة ضبط، وهي منظومة التعاقدات داخل قطاع المقاولات، حيث يشدد على ضرورة تطبيق مفهوم “العقد العادل المتوازن”، الذي يراعي الجوانب الفنية والتنفيذية إلى جانب الاعتبارات المالية، بدلًا من الاقتصار على معيار أقل سعر. ويرى أن هذا التوجه يمثل حجر زاوية في بناء سوق أكثر انضباطًا وكفاءة، ويحمي المشروعات من التعثر، ويضمن جودة التنفيذ، ويعزز ثقة المستثمرين.
الحوكمة وخريطة الاستثمار.. طريق الانضباط والنمو
ويمتد الحديث إلى ضرورة ترسيخ الحوكمة داخل السوق العقارية، من خلال وضع خريطة استثمارية واضحة، وآليات متابعة أكثر صرامة، بما يمنع تعطيل الأراضي أو تجميد المشروعات، ويضمن تسريع وتيرة التنمية. كما يؤكد أهمية تعزيز الشراكة المؤسسية بين الدولة والقطاع الخاص، عبر طرح الفرص الاستثمارية بشكل أكثر شفافية وانتظامًا، بما يحقق التكامل المطلوب بين الطرفين.
طايل جروب.. 27 عامًا من الخبرة وبوصلة نحو التوسع المدروس
وعلى مستوى الأداء المؤسسي، يوضح طايل أن مجموعة طايل جروب تعمل من خلال رؤية تعتمد على الالتزام والمصداقية وجودة التنفيذ، مستندة إلى خبرة تمتد لنحو 27 عامًا في مجالات المقاولات والتطوير العقاري، حيث نفذت مشروعات متنوعة في عدد كبير من المحافظات، إلى جانب تطوير مشروع عمراني متكامل في مدينة أسيوط الجديدة على مساحة واسعة، يضم أنشطة سكنية وتجارية وإدارية وترفيهية، بما ساهم في خلق جذب عمراني وتنموي ملحوظ في صعيد مصر. ويشير إلى أن الشركة تواصل استكمال مراحل مشروعاتها الحالية، بالتوازي مع دراسة فرص توسعية جديدة ضمن خطة نمو تدريجية ومدروسة.
المواطن في قلب المعادلة.. توازن السوق مسؤولية مشتركة
ومن زاوية أخرى، يسلط طايل الضوء على البعد المجتمعي، مؤكدًا أن المواطن المصري كان الأكثر تحملًا لتداعيات التحديات الاقتصادية الأخيرة، ما يفرض على الحكومة والقطاع الخاص مسؤولية مشتركة لتقديم حلول أكثر توازنًا، سواء على مستوى التسعير أو الإتاحة، مشيرًا إلى أن التوسع في المعروض العقاري ساهم في الحد من الضغوط السعرية، وحافظ على قدر من التوازن داخل السوق.
أسيوط الجديدة.. من مدينة ناشئة إلى مجتمع متكامل
وفي إطار دوره كرئيس لمجلس أمناء مدينة أسيوط الجديدة، يتبنى طايل رؤية عملية لتحسين جودة الحياة داخل المدينة، تبدأ من تطوير منظومة النقل والمواصلات، باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لجذب السكان والاستثمارات، مرورًا بدعم الخدمات الصحية، وتعزيز التفاعل المجتمعي، وتفعيل دور مجلس الأمناء كجسر حقيقي بين المواطنين والجهاز الإداري. ويؤكد أن نجاح المدن الجديدة لا يتحقق بمجرد إنشاء المباني، بل يتطلب بناء منظومة حياة متكاملة تشمل الخدمات، والحركة التجارية، والعلامات التجارية، ووسائل النقل، وكل ما يدفع المواطن إلى التواجد والاستقرار.
الصعيد.. الفرصة الذهبية للاستثمار العقاري القادم
ويرى أن مدن الصعيد تمثل واحدة من أهم الفرص الاستثمارية خلال المرحلة المقبلة، في ظل توقعات بزيادة الطلب، وتوافر مقومات نمو حقيقية، لكنه يشدد على أن تحقيق هذا النجاح مرهون بتسريع الإصلاحات التشريعية والتنفيذية، وتعزيز دور القطاع الخاص كشريك تنموي رئيسي، يمتلك من المرونة والقدرة ما يؤهله لدفع عجلة التنمية على الأرض.
الاستدامة.. مستقبل لا يقبل التأجيل
ولا يغيب عن المشهد ملف الاستدامة، حيث يؤكد طايل أن مستقبل القطاع العقاري يرتبط بشكل وثيق بتبني ممارسات أكثر كفاءة، تشمل استخدام التكنولوجيا الخضراء، وإعادة تدوير مخلفات البناء، وتطوير مواد بناء حديثة منخفضة التكلفة وعالية الجودة، مشددًا على أن هذا التحول يتطلب تكاملًا بين القطاع الخاص، والجهات الحكومية، والمؤسسات البحثية، لضمان تحقيق الجدوى الاقتصادية والحفاظ على جودة المنتج.
رؤية تتجاوز الحاضر إلى صناعة المستقبل
وفي ختام الحديث، يقدم المهندس وسام طايل رؤية متماسكة تعكس تحوّلًا جوهريًا في دور العقار والمقاولات داخل الاقتصاد المصري، من مجرد أنشطة تقليدية إلى أدوات تنموية متكاملة، ترتبط بجذب الاستثمار، وتوليد العملة الأجنبية، وبناء مجتمعات عمرانية حقيقية، خاصة في صعيد مصر الذي يبدو أنه يستعد لكتابة فصل جديد في خريطة التنمية الشاملة.


