في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بأمن الطاقة عالميًا، وتزايد الضغوط على موارد الوقود التقليدية، تتجه الأنظار نحو حلول مبتكرة تضمن الاستدامة وكفاءة الاستخدام. وفي هذا السياق، تبرز المدن الذكية كخيار استراتيجي لمواجهة الأزمة، بما تملكه من أدوات تكنولوجية متقدمة قادرة على إعادة صياغة منظومة الطاقة وتحقيق التوازن بين التنمية والحفاظ على الموارد.
أكد الدكتور أحمد الشناوي، خبير الطاقة الكهربائية، أن العالم يمر حاليًا بواحدة من أصعب أزمات الطاقة في التاريخ الحديث، نتيجة تداخل عوامل جيوسياسية واقتصادية وبيئية، أدت إلى عجز حاد في إمدادات الوقود الأحفوري اللازم لتشغيل محطات الكهرباء التقليدية، التي لا تزال تمثل النسبة الأكبر من إنتاج الطاقة في معظم الشبكات الكهربائية.
وأوضح أن هذه الأزمة لم تعد تقتصر على ارتفاع أسعار فواتير الكهرباء، بل أصبحت تمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار الاقتصادات الوطنية ورفاهية الشعوب، فضلًا عن تأثيرها على الأمن القومي للدول، مشددًا على أن ترشيد استهلاك الطاقة لم يعد خيارًا، بل ضرورة حتمية وحلاً استراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه.
المدن الذكية حل استراتيجي لمستقبل الطاقة
وأشار الشناوي إلى أن المدن الذكية باتت أحد أهم الحلول لمواجهة أزمة الطاقة العالمية، خاصة في ظل التوقعات بأن نحو 70% من سكان العالم سيعيشون في المدن بحلول عام 2050، إلى جانب استهلاك المباني لما يقرب من 50% من إجمالي الطاقة عالميًا، وهو ما يجعل التحول نحو نماذج حضرية ذكية أمرًا لا غنى عنه.
وأضاف أن المدن الذكية تعتمد على استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وإنترنت الأشياء لجمع البيانات وتحليلها، بما يسهم في تحسين جودة حياة المواطنين، ورفع كفاءة الخدمات الحكومية، وتعزيز الاستدامة البيئية.
الطاقة الشمسية والشبكات الذكية في قلب المنظومة
وأكد أن هذه المدن تتبنى استراتيجيات متكاملة لخفض الانبعاثات الكربونية، من خلال الاعتماد على الشبكات الكهربائية الذكية، وإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية عبر محطات يتم إنشاؤها فوق أسطح المنازل والمباني الحكومية والمراكز التجارية والمستشفيات.
وأوضح أن الفائض من الطاقة المنتجة يمكن ضخه إلى الشبكة الكهربائية، وهو ما يعود بعوائد اقتصادية مباشرة على المستهلكين، ويعزز من كفاءة إدارة الطاقة على مستوى الدولة.
النقل النظيف والبنية التحتية الذكية
ولفت إلى أن المدن الذكية تعتمد بشكل متزايد على وسائل النقل الأخضر، مثل السيارات الكهربائية والحافلات الكهربائية، بالإضافة إلى مشروعات النقل الجماعي الحديثة مثل المونوريل، مشيرًا إلى أن أماكن انتظار السيارات يتم تجهيزها بخلايا شمسية لشحن المركبات الكهربائية، بما يدعم التحول نحو منظومة نقل مستدامة.
إضاءة وعدادات ذكية لترشيد الاستهلاك
وأشار إلى تطبيق أنظمة الإضاءة الذكية في الشوارع، والتي تعتمد على حساسات الحركة للتحكم في شدة الإضاءة وفق الكثافة المرورية، إلى جانب استخدام الألواح الشمسية في أعمدة الإنارة، ما يسهم في تقليل استهلاك الطاقة.
كما أوضح أن العدادات الذكية تمثل نقلة نوعية في إدارة الاستهلاك، حيث تتيح للمواطنين متابعة استهلاكهم لحظيًا، والتحكم فيه، ومعرفة شرائح المحاسبة، فضلًا عن إمكانية شحن العداد إلكترونيًا عبر المحافظ الرقمية دون الحاجة للذهاب إلى شركات الكهرباء.
تطبيقات ذكية لإدارة استهلاك المنازل
وأشار الشناوي إلى أن المدن الذكية توفر تطبيقات على الهواتف المحمولة تمكن المستخدمين من التحكم في تشغيل وإيقاف الأجهزة الكهربائية مثل التكييف والثلاجات عن بُعد، واختيار مصادر الطاقة الأنسب والأكثر توفيرًا، سواء من الشبكة الكهربائية أو من الطاقة الشمسية، في إطار تكامل بين المستهلك والشبكة الذكية.
مصر تتحرك بقوة نحو المدن الذكية
وفيما يتعلق بالوضع في مصر، أكد خبير الطاقة أن الدولة، في ظل توجهات عبد الفتاح السيسي، تسعى لتعزيز مكانتها كدولة رائدة في مجال المدن الذكية، بما يحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ويحافظ على الموارد الطبيعية، ويلبي احتياجات المواطنين، في إطار تحقيق أهداف رؤية مصر 2030.
وأشار إلى أنه في سبتمبر 2025 تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية للمدن الذكية، التي تستهدف تعميق التحول الرقمي وبناء مدن حديثة مستدامة تعكس طموحات الجمهورية الجديدة، موضحًا أن المرحلة الأولى تشمل مدنًا مثل العاصمة الإدارية الجديدة، والمنصورة الجديدة، والعلمين الجديدة.
المدن الذكية مستقبل التنمية المستدامة
واختتم الشناوي تصريحاته بالتأكيد على أن المدن الذكية لم تعد مجرد مشروعات عمرانية حديثة، بل أصبحت نموذجًا متكاملًا لتحويل المدن من مستهلك رئيسي للطاقة إلى كيانات قادرة على إنتاج وإدارة طاقتها بكفاءة، بما يضمن استمرارية الخدمات وتحقيق التنمية المستدامة في مواجهة أزمات الطاقة العالمية.


