كشفت تقارير استخباراتية أميركية عن تحركات إيرانية مكثفة خلال الأسابيع الأخيرة لتعزيز حماية مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، في خطوة من شأنها تعقيد أي جهود مستقبلية لنقل هذه المواد أو التخلص منها ضمن الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران.
ووفقاً لمصادر مطلعة على تقييمات الاستخبارات الأميركية، عمدت إيران إلى تنفيذ أعمال تحصين واسعة النطاق في المواقع التي يُعتقد أنها تضم كميات من اليورانيوم المخصب بنسبة مرتفعة، تشمل إحداث انهيارات متعمدة داخل بعض الأنفاق وزراعة متفجرات وألغام عند المداخل الرئيسية، ما جعل الوصول إلى هذه المواد أكثر صعوبة وخطورة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أسابيع قليلة.
وتشير التقديرات إلى أن نحو نصف طن من اليورانيوم عالي التخصيب أصبح موجوداً في مواقع يصعب الوصول إليها، وهو ما يضيف تحديات كبيرة أمام أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بإخراجه أو التحقق من مصيره ضمن المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران.
تحصينات جديدة تعقد الاتفاق المرتقب
وتأتي هذه التطورات في وقت تقترب فيه واشنطن وطهران من التوصل إلى تفاهم جديد بشأن البرنامج النووي الإيراني، حيث ترى الإدارة الأميركية أن تأمين مخزون اليورانيوم المخصب يمثل أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة التفاوض.
وبحسب مسؤول أميركي رفيع، فإن الاتفاق المقترح يتضمن التزام إيران بتسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، على أن يتم التعامل معه وتدميره وفق آليات فنية محددة، قبل نقله خارج البلاد.
غير أن التحصينات التي أُقيمت حديثاً قد تجعل تنفيذ هذه البنود أكثر تعقيداً، خاصة مع الحاجة إلى معدات هندسية متخصصة وأعمال إزالة ألغام وحفر مكثفة للوصول إلى المواد المخزنة داخل الأنفاق والمواقع المحصنة.
مخاوف من صعوبة التحقق الكامل
ويرى خبراء في مجال الأمن النووي أن الوضع الجديد قد يخلق تحديات إضافية أمام عمليات التحقق الدولية من حجم المخزون الإيراني الفعلي.
وقال سكوت روكر، الرئيس السابق لمكتب إزالة المواد النووية بالإدارة الوطنية للأمن النووي الأميركية، إن المعلومات المتداولة بشأن تحصين مواقع التخزين، إذا ثبتت صحتها، ستجعل عملية استعادة اليورانيوم عالي التخصيب أكثر تعقيداً من الناحية الفنية واللوجستية.
وأضاف أن نجاح أي اتفاق مستقبلي يتطلب تقديم إيران كشفاً كاملاً ودقيقاً بمواقع وكميات المواد النووية المخصبة، محذراً من احتمالية ظهور صعوبات تتعلق بإمكانية الوصول إلى بعض المواقع أو التحقق من محتوياتها بصورة كاملة.
وأشار إلى أن أخطر السيناريوهات يتمثل في الادعاء بأن بعض المواد أصبحت غير قابلة للاستخراج بسبب طبيعة المواقع المحصنة، وهو ما قد يثير تساؤلات بشأن القدرة على التحقق الكامل من تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
أصفهان في قلب المشهد النووي
وتعتقد الجهات الدولية المعنية بمتابعة البرنامج النووي الإيراني أن الجزء الأكبر من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب موجود داخل منشآت وأنفاق تقع في مجمع أصفهان النووي وسط إيران، فيما تتوزع كميات أخرى على مواقع مختلفة.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية الحديثة وجود أعمال إنشائية وتحصينات إضافية قرب عدد من المنشآت النووية، بما في ذلك مداخل أنفاق ومناطق خدمية مرتبطة بالبنية التحتية للمواقع النووية الحساسة.
خيار التدخل العسكري تراجع أمام المخاطر
وكشفت مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة درست في وقت سابق خيارات مختلفة للتعامل مع المواد النووية الإيرانية، بما في ذلك تنفيذ عمليات ميدانية تهدف إلى السيطرة على بعض المواقع الحساسة.
إلا أن التقييمات العسكرية والأمنية خلصت إلى أن مثل هذه العمليات تنطوي على مخاطر كبيرة، سواء من ناحية سلامة القوات المشاركة أو من حيث احتمالات التصعيد الإقليمي، ما دفع واشنطن إلى التركيز على المسار التفاوضي باعتباره الخيار الأكثر واقعية.
وفي هذا السياق، كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أشار في تصريحات سابقة إلى صعوبة الوصول إلى المواد النووية الإيرانية بالقوة، معرباً عن اعتقاده بأن تحركات إيران المستمرة تهدف إلى تعزيز حماية هذه الأصول الاستراتيجية.
مفاوضات فنية مرتقبة
ورغم التقدم الذي تحقق في المحادثات السياسية، تشير التوقعات إلى أن الاتفاق النهائي سيعقبه مسار طويل من المفاوضات الفنية لتحديد آليات التعامل مع مخزون اليورانيوم ومستقبل البرنامج النووي الإيراني.
وتتطلب عملية نقل أو معالجة المواد النووية تجهيزات متخصصة وإشرافاً فنياً عالي المستوى، وهو ما قد يستدعي مشاركة فرق دولية وخبراء في مجال الأمن النووي لضمان تنفيذ الإجراءات وفق المعايير المعتمدة.
كما تشير التقديرات إلى أن إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من المواقع المحصنة قد يستغرق أسابيع عدة، نظراً لتعقيد العمليات المطلوبة وصعوبة الوصول إلى بعض أماكن التخزين الحالية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى ملف اليورانيوم الإيراني أحد أكثر القضايا حساسية في المفاوضات الجارية، حيث تسعى واشنطن إلى ضمان إزالة المخاطر المرتبطة بالبرنامج النووي، بينما تعمل طهران على الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية ضمن أي اتفاق محتمل، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل هذا الملف المعقد.



